30 يونيو: إرث«الإنقاذ » يحاصر السودان.. كيف صنعت خطايا العقود الثلاثة المأساة الراهنة؟

شبكة مراسلين
مصعب محمد
الخرطوم: لا يمثل تاريخ الثلاثين من يونيو /حزيران في الوجدان السياسي السوداني مجرد محطة سنوية لاستدعاء الذكرى، بل يشكل نقطة تحول بنيوية أعادت صياغة هوية الدولة ومسارها المعاصر منذ عام 1989م. فخلف هذا التاريخ، تكمن حقبة سياسية ممتدة لثلاثة عقود، لم تكتفِ بترك بصماتها العميقة على مناحي الحياة كافة، بل غدت “المحدد الأساسي” لشبكة الأزمات المعقدة التي تعيشها البلاد اليوم؛ مما يجعل تفكيك إرث تلك الحقبة ممرّاً إجبارياً لفهم جذور الصراع الراهن واستشراف مآلاته.

دوافع الانقلاب والسياق السياسي
جاء انقلاب 30 يوليو 1989 وسط سيولة سياسية وأزمات اقتصادية متلاحقة، تزامنت مع تصاعد حدة المواجهات الحربية في جنوب البلاد. واستغلت “الجبهة الإسلامية القومية” هذا الاضطراب لتقدم مشروعها كبديل لإنقاذ البلاد، مستندة إلى أيديولوجيا تنظيمية سعت لإعادة صياغة الدولة وفق تصور “أحادي”.
وتؤكد الشهادات والوثائق الداخلية أن الانقلاب لم يكن تحركاً عسكرياً بحتاً، بل أدير بتدبير سياسي تداولي من قِبل لجنة عليا مفوضة من “مجلس شورى الجبهة الإسلامية القومية” في ذلك الوقت(ضمت ستة قياديين أبرزهم د.حسن الترابي وعلي عثمان محمد طه) بهدف حماية التنظيم وإقصاء المنافسين. واعتمدت خطة الاستيلاء على السلطة على السرية التامة؛ وتجسد ذلك في الاتفاق على اعتقال الترابي نفسه كجزء من عملية تمويه لإخفاء الهوية الحقيقية للانقلاب، قبل أن تتسع لاحقاً شروخ الخلافات حول إدارة الدولة وتقاسم السلطة بين الشقين العسكري والمدني.

القبضة الأمنية وتفكيك المؤسسات
لم تكن عملية إعادة بناء مفاصل الدولة إجراءات إدارية عابرة، بل نتجت عن تحولات هيكلية رآها الترابي لاحقاً “انحرافات بنيوية” قادت لتغول القبضة الأمنية وتفكيك العمل المؤسسي. ووفقاً لمراجعاته النقضية، فإن اضطرار الحركة للعمل السري الطويل أفرز واقعاً تنظيماً “قاتلاً” تمثل في ولادة دائرة ضيقة أدارت الدولة بعيداً عن الرقابة الشعبية والمؤسسية، وغيبت المحاسبة والشفافية.
وأدت هذه البيئة المغلقة وتدفق السلطة والمال إلى هزات أخلاقية وتنظيمية؛ فاستشرت المحسوبية وتعيين الأقارب في الوظائف العامة وسط عجز قيادي عن المواجهة بسبب الفتن السياسية والتوازنات. وامتد الإخفاق إلى ملف حقوق الإنسان، حيث أقر الترابي بوقوع انتهاكات خطيرة داخل معتقلات “بيوت الأشباح”، واصفاً إياها بجرائم ارتكبتها أجهزة أمنية افتقرت للخبرة القانونية والرادع الأخلاقي. وقاد هذا النهج لتفكيك ممنهج للمؤسسات عبر تهميش مجالس الشورى واللجان الرقابية، مما منح الوزراء سلطات مطلقة بلا كوابح، ليخلص الترابي إلى أن الرهان على التربية الدينية وحده كان “وهماً” لم يكفِ لمنع الانحراف في غياب المؤسسات الديمقراطية الصلبة.

السياسات الاقتصادية والاجتماعية
شكلت السياسات الهيكلية المتخبطة منذ الأيام الأولى للانقلاب نواة الأزمة المعيشية والانسداد الاجتماعي؛ إذ تلاقت الرؤية العسكرية مع الأجندة الأيديولوجية في تبني برنامج متسارع لـ”تحرير الاقتصاد” وخصخصة المرافق العامة بلا شفافية، ما أدى لتفشي الفساد وتشريد آلاف العمال. وترافق ذلك مع فرض تغييرات جذرية في الأنظمة التعليمية والقانونية والأعراف الاجتماعية، مما عمق الاستقطاب والتهميش الديني والسياسي، خاصة لدى القوى العلمانية وغير المسلمين في جنوب البلاد وجبال النوبة.
ورغم تدفق عوائد الطفرة النفطية الضخمة بين عامي 2000 و2010 (نحو 70 مليار دولار أمريكي)، بدد النظام هذه الموارد في الصرف غير المحسوب على الأجهزة الأمنية وجهاز الدولة المركزي المترهل في الخرطوم، متجاهلاً القطاعات الإنتاجية كالزراعة والثروة الحيوانية التي تُركت للتدهور. ورسخ هذا التفاوت الفوارق الاقتصادية والمظالم الإقليمية في غرب ووسط وشرق البلاد، لتأتي صدمة انفصال الجنوب عام 2011 وخسارة 80% من عائدات النفط كضربة قاضية قادت لشح حاد في النقد الأجنبي وتدهور الجنيه. ومع فرض تدابير تقشفية ورفع الدعم، برز “ثالوث الأزمة” (الخبز، الوقود، السيولة)، ليتحول التآكل المعيشي إلى الوقود الذي فجر الاحتجاجات الشعبية العارمة أواخر عام 2018.

السياسة الخارجية ومعضلة العزلة
تحولت الدبلوماسية في عهد “الإنقاذ” إلى جبهة مواجهة لإدارة الأزمات، محكومة بمعادلة صعبة بين الأيديولوجيا والضغوط الدولية. ويوضح وزير الخارجية الأسبق، في عهد الرئيس السابق عمر البشير د. مصطفى عثمان إسماعيل، أن الصدام مع الغرب ووضع الخرطوم في قوائم “دول الشر” نتج عن خيارات مستقلة كالشراكة النفطية مع الصين وماليزيا وتطوير التصنيع العسكري، مما دفع واشنطن لفرض حصار شامل. ولتخفيف العزلة، لجأ النظام لخيارات موازية كالدبلوماسية الشعبية عبر “مجلس الصداقة الشعبية العالمية”، ونجح تكتيكياً في رفع عقوبات مجلس الأمن عبر تنسيق وثيق مع المجموعات الأفريقية ودول عدم الانحياز، مستنداً إلى رؤية ترى الدبلوماسية أداة مصالح قائمة على الحوار و”المعاملة بالمثل”، مع اعتماد الانفتاح على القاهرة كـ”رأس رمح” لترميم العلاقات العربية والإقليمية.

في المقابل، تؤكد القراءات المستقلة أن السياسة الخارجية عانت من انفصام حاد بين الخطاب الراديكالي الداخلي والتنازلات الجيوسياسية الواسعة في الغرف المغلقة بلا مقابل حقيقي. فالأخطاء الاستراتيجية المبكرة، مثل استضافة جماعات راديكالية، وضعت البلاد في قائمة الإرهاب عام 1993م. ورغم الاستدارة اللاحقة عبر التعاون الاستخباري المكثف مع وكالة (CIA)الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر، ولم تفلح الحكومة السودانية في كسر العزلة الهيكلية أو رفع العقوبات الشاملة نتيجة غياب الثقة الدولية واستعار أزمة دارفور عام 2003، التي انتهت بصدور مذكرات توقيف دولية بحق البشير. وتثبت الوقائع أن مفاصلة عام 1999 م وإبعاد الترابي لم يغيرا النظرة الغربية، إذ ظلت العزلة مرتبطة بنظام يناور أمنياً للحفاظ على قبضته الأحادية داخلياً.
تداعيات الحقبة على المشهد الراهن
لم يكن سقوط النظام في أبريل /نيسان 2019 م سوى إزاحة للواجهة السياسية، بينما ظلت الجذور البنيوية والتشوهات الهيكلية التي زرعتها تلك الحقبة ممتدة في عمق الجسد السوداني، لتشكل الصاعق الحقيقي الذي فجّر الصراعات الحالية. إن سياسات التفكيك الممنهج لمؤسسات الدولة، وتغول الأجهزة الأمنية على حساب العمل المدني، خلقت واقعاً مشظىً ومؤسسات موازية بلا كوابح رقابية، مما جعل الانتقال السياسي الهش محاصراً بمراكز قوى مسلحة ومتصارعة على النفوذ.
وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ترك إرث التهميش وتدمير القطاعات الإنتاجية اقتصاداً منهكاً يعاني عجزاً مزامناً وتضخماً انفجارياً، وهي بيئة خصبة لإعادة إنتاج الحروب و”المظالم الإقليمية”.و أدت سياسات الاستقطاب الاجتماعي والديني التي ولّدت شروخاً وطنية غائرة حوّلت النزاعات السياسية إلى مواجهات صفرية مسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تهدد اليوم وحدة البلاد وتماسكها. ودولياً، تركت العزلة الدولية الطويلة والتنازلات غير المتكافئة السودان مكشوفاً أمام التجاذبات الجيوسياسية، ليتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
مما يخلص إلى أن خطايا الماضي التي تراكمت طوال ثلاثين عاماً من غياب المحاسبة، وتهميش الأقاليم، والاعتماد على الأدوات القسرية، هي ذاتها المحدِّدات التي تصنع مأساة السودان الراهنة، مما يجعل أي أفق للتعافي مشروطاً بتفكيك هذا الإرث الثقيل وإعادة تأسيس الدولة على ركائز المواطنة والمؤسسية المفقودة.




