
في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، تصدر الحزب الشيوعي العراقي المشهد السياسي، بعد ثورة 14 تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، التي يسميها البعض ثورة ويسميها آخرون انقلابًا، أصبح الحزب يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة ونفوذ سياسي كبير، وسرعان ما انتهت أحلام الشيوعي العراقي بعد صدور فتوى المرجع الديني في النجف آنذاك محسن الحكيم عام 1960، التي اعتبرت الانتماء إلى الحزب الشيوعي غير جائز، ثم انقلاب 8 شباط 1963 الذي قاده تحالف من القوميين وحزب البعث العربي الاشتراكي، والذي أدى إلى مجازر واعتقالات واسعة بحق الشيوعيين. ويصف بعض العراقيين تلك المرحلة بأنها نهاية النفوذ السوفيتي في العراق، وعودة البلد إلى إدارة عراقية بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
ومع ارتكاب حزب البعث العربي الاشتراكي مجازر بحق قيادة الحزب الشيوعي وأعضائه، بدأت اتصالات سياسية بين الطرفين بعد وصول البعث إلى السلطة عام 1968، ولم يعلن التحالف رسميًا إلا عام 1973 بإعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، بالمقابل، لم تنضم القيادة المركزية (الجناح المنشق عن الحزب الشيوعي العراقي)، وأعلنت وقتها الكفاح المسلح، حيث استهدفت عددًا من قيادات البعث ابرزهم دار الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ودار عضو مجلس قيادة الثورة صلاح عمر العلي، وأدى ذلك إلى اعتقال وتصفية المئات من أعضاء القيادة المركزية، بينما الحزب الشيوعي (اللجنة المركزية) التزم الصمت حتى عام 1973، حين فاجأ جماهيره وأعضاءه بإعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي ضمت حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي بقيادة عزيز محمد وعددًا من الحركات الأخرى، وهو التحالف الذي لم ينضم إليه أبرز معارضي النظام، وهما الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مصطفى البارزاني والقيادة المركزية.
وبالتزامن مع إعلان الجبهة، استقال العديد من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية)، وفقد الحزب جماهيره بشكل كبير، وبحسب بعض الأعضاء السابقين أصبح يوصف ساخرًا بأنه:
“الحزب الشيوعي العراقي لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي”
وسرعان ما انتهت الجبهة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبدأت حملة تصفيات بحق كوادر الحزب الشيوعي العراقي وأنصاره.
وخلال الأحداث السابقة التي أدت إلى إقصاء جماهير الحزب، اعتبر بعض أعضائه السابقين أن الخلاف مع حزب القيادة المركزية لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كان خلافًا على نهج الحزب، إذ كانت من أبرز أسباب الانشقاق، بحسب أدبيات القيادة المركزية، أن قيادة الحزب أصبحت إصلاحية ومعتدلة أكثر من اللازم لا سيما موافقتهم على شرعية نظام حزب البعث، ويرى بعض رفاق الحزبين أنه في الوقت الذي كان فيه أعضاء القيادة المركزية يكافحون النظام السابق، كان الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية) يجلس إلى طاولة المفاوضات مع حزب البعث العربي الاشتراكي.
وفي نبذة بسيطة عن الأحداث السابقة، لم يتوقف الحزب الشيوعي العراقي عند هذا الحد، فبعد سقوط النظام السابق برئاسة صدام حسين عام 2003، شارك الحزب في مجلس الحكم الذي أسسته سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة لويس بول بريمر، وكان العضو الممثل عن الحزب حميد مجيد موسى، وقد واجه الحزب انتقادات واسعة، إذ اعتبره اعضائه السابقين أن مشاركته في مجلس الحكم الذي أنشأته سلطة الائتلاف المؤقتة تمثل اعترافًا بالأمر الواقع تحت الذي يسميه بعض العراقيين “الاحتلال الأمريكي”، في وقت كان فيه آلاف العراقيين يتظاهرون ضد الوجود العسكري الأمريكي.
ومع فقدان العراقيين الثقة بالحزب بعد عام 2003، أضاف الحزب إلى ذلك عددًا من التحالفات السياسية الذي رأى اعضائه السابقين أنها تتعارض مع مبادئه، حيث شارك مع القائمة العراقية الوطنية بقيادة إياد علاوي في انتخابات كانون الأول 2005، كما شارك في تحالف سائرون عام 2018 مع التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر، واستمر هذا التحالف حتى عام 2019 مع بداية الاحتجاجات العراقية.
وفي نهاية المطاف، ومع استمرار تراجع حضوره الجماهيري والتنظيمي، شارك الحزب مؤخرًا في الانتخابات النيابية ضمن تحالف البديل 2025 بقيادة عدنان الزرفي المقرب من الإدارة الأمريكية، إلا أن التحالف لم يحقق نتائج تؤهله للحصول على مقاعد في مجلس النواب، وبقى الحزب في واقع متردي بفقدان اعضائه وقاعدته الجماهيرية، ويرى بعض أعضاء الحزب السابقين، أنه اصبح فقط لكبار السن من عمر 70 عامًا فما فوق.



