عقارب وثعابين السودان.. منصة رقمية تعوض غياب الرعاية الصحية في زمن الحرب
منصة رقمية لمكافحة الثعابين في السودان

شبكة مراسلين
مصعب محمد
لم تكن الاستغاثة التي تلقتها الباحثة السودانية رانيا في منتصف عام 2018 عبر تطبيق “واتساب” مجرد رسالة عابرة؛ بل كانت صدمة إنسانية مؤلمة نقلها الناشط محمد النذير لتعلن وفاة أكثر من 60 طفلاً بسبب لدغات العقارب بمنطقة المناصير شمالي السودان.
تحولت تلك الفاجعة من مأساة صامتة في القرى البعيدة إلى سؤال علمي ملح في الأروقة الأكاديمية: كيف تزهق هذه الكائنات الصغرى أرواح الأطفال دون تحرك بحثي يذكر؟

استجابت الباحثة سريعاً عبر مناشدة أثمرت عن تشكيل فريق بحثي من 14 عالماً بجامعة الخرطوم. وبدعم مجتمعي تقوده سلمى عوض فضيل عبر مبادرة “نفير العافية”، انطلقت رحلتان ميدانيتان برفقة طلاب قسم علم الحيوان إلى “محلية البحيرة” لإجراء مسوحات وتصنيف العقارب غير الموثقة سابقاً. واكتملت هذه الجهود بتأسيس “مركز أبحاث الكائنات السامة” في 15 أبريل 2021 ليكون مظلة علمية وخدمية لمواجهة التسمم، قبل أن تتضرر مبانيه المجاورة لكوبري “كوبر” بفعل الحرب الراهنة.
علم المواطن.. الهواتف الذكية تتحول إلى غرفة طوارئ
لم يكتفِ المشروع بالجدران الأكاديمية؛ ففي 19 يناير 2023 أُطلقت مجموعة “عقارب وثعابين السودان” على “فيسبوك” لتغدو الواجهة الرقمية والاستشارية للمركز وتضم اليوم أكثر من 150 ألف عضو. تعتمد المبادرة على مفهوم “علم المواطن” عبر توثيق المشاهدات بالصور والموقع، ليقدم المتخصصون استشارات فورية ترتكز على 3 محاور أساسية:
- التشخيص والتوعية البيئية: التمييز السريع بين الأنواع السامة والنافعة، وغرس وعي يوضح الدور الحيوي لبعض الثعابين في التوازن البيئي.
- الإسعافات الأولية: تقديم الإرشادات الصحيحة وتفنيد الممارسات الشعبية الخاطئة التي تضاعف خطر الإصابة.
- التوجيه الطبي: توجيه المصابين لأماكن توفر الأمصال، والربط بين أطباء التسمم داخل السودان وخارجه لتوفير المشورة وتجنيب الأسر مشقة ونفقات السفر.

مع اندلاع الحرب، ضاعفت المبادرة جهودها بنشر “كروت تعريفية” تحتوي على معلومات علمية مبسطة تشكل دليلاً حياً بين أيدي المواطنين في ظل صعوبة التنقل وانقطاع الخدمات الصحية. ورغم استقبال أكثر من 100 منشور يومياً خلال مواسم الخريف، يواصل الفريق عمله التطوعي بلا انقطاع.
أبعاد صحية وتنوع جزيئي في بيئة متغيرة
تؤكد الباحثة رانيا أن ملف الكائنات السامة يمثل قضية صحة عامة ذات أبعاد مأساوية، مستشهدة بحادثة وفاة موظف بشركة بترول في “كردفان” خلال أقل من ساعتين إثر عضة من ثعبان “الكوبرا سوداء العنق”.
علمياً، توضح الباحثة أن السمية منظومة بيولوجية ديناميكية تتكيف مع البيئة وطبيعة الفرائس عبر آليات الانتخاب الطبيعي والتعبير الجيني، وليست صفة تزداد فتكاً بمرور الوقت بشكل مطلق. وتشدد على نقطة جوهرية: قد تتشابه الثعابين أو العقارب شكلياً، لكن تركيبة سميتها تختلف جذرياً من منطقة جغرافية لأخرى أو حسب المرحلة العمرية؛ مما يجعل دراسة التنوع الجيني المحلي شرطاً أساسياً لتحديد واختيار الأمصال الأكثر فاعلية.

إرشادات الوقاية ومطالبات صحية عاجلة
مع اقتراب فصل الخريف وتزايد مخاطر اللدغات، وضعت المبادرة حزمة تدابير منزلية للوقاية:
- المكافحة الطبيعية: تربية الدواجن حول المنازل للحد من العقارب باعتبارها مفترساً طبيعياً، والاستفادة منها غذائياً.
- تنظيم البيئة: إزالة شباك الصيد المهملة، وتراكم الحجارة والأخشاب ومواد البناء من محيط المنازل.
- تحصين المساكن: سد الشقوق الجدارية بالطين، وتفقد مناطق تخزين المياه الرطبة التي تجذب الزواحف.
- حماية الأطفال: تجنب الرعي قرب “أشجار الطرفة”، إبعاد الأسِرّة (ويفضل استخدام الألومنيوم) عن الجدران، واستعمال الناموسيات لاتقاء العقارب الساقطة من السقف.
- السلوك الوقائي: ارتداء أحذية مغلقة وفحصها قبل الارتداء، واستخدام كشافات الأشعة فوق البنفسجية بحذر دون توجيهها للأعين.
- وعلى الصعيد المؤسسي، تجدد المبادرة نداءها للحكومة بإدراج الأمصال ضمن “برنامج الدواء المجاني الإجباري” وتوفيرها بالمراكز الريفية، إذ إن الحاجة لعدة أمبولات للجرعة الواحدة تفرز عبئاً مالياً يفوق قدرة الأسر ويؤخر العلاج الحيوي.


تكافل مجتمعي ورؤية سريعة للمستقبل
في ظل غياب الدعم الرسمي، استندت المبادرة إلى التكاتف الأهلي؛ بدءاً من جهود “منظمة شِكّاك الطوعية” بأبو حمد ، وأهالي “المحس والمضيقين”، ورابطة “أبناء وادي حلفا”، بالتوازي مع التنسيق اللوجستي والمعنوي مع الصندوق القومي للإمدادات الطبية ومراكز السموم.
وتسعى المبادرة مستقبلاً إلى إعادة تأهيل مقر مركز أبحاث الكائنات السامة بجامعة الخرطوم، وتحويل التوثيق الرقمي الذي يجمعه المواطنون يومياً إلى خرائط توزيع جغرافي ودراسات دقيقة تُوجه الموارد الصحية للأقاليم الأكثر احتياجاً.





