ياسين عمر يكتب: خطاب حميدتي.. سبعة اعترافات وشهادة حق لهيئة الاستخبارات العسكرية

ياسين عمر- شبكة مراسلين
لم يكن الخطاب الأخير لمحمد حمدان دقلو (حميدتي) قبل قليل مجرد محاولة لرفع معنويات قواته، بل بدا أقرب إلى وثيقة يمكن قراءتها بين السطور، فبعض العبارات التي وردت فيه حملت، في تقديري، اعترافات ضمنية تعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها التمرد، كما منحت، من حيث لا يقصد، شهادة على فاعلية العمل الاستخباري والأمني في اختراق بنيته الداخلية.
أولى هذه الإشارات جاءت في قوله: (من اليوم نوم ما في) فهذه العبارة ليست مجرد حماس خطابي، وإنما تعكس حالة استنفار فرضها تطور ميداني مفاجئ، فالقيادات لا تتحدث عن (منع النوم) إلا عندما تشعر بأن الموقف بلغ درجة عالية من الحساسية، وأن الأحداث تجاوزت ما كان متوقعاً، الأمر الذي يستوجب ضخ جرعات عاجلة لرفع المعنويات.
أما قوله: (غيّروا الطريقة وغيّروا اللعبة)، فهو يكشف، من حيث لا يدري، أنه يخاطب مليشيا لا جيشاً نظامياً. فالجيوش تمتلك منظومات قيادة وسيطرة تنقل عبرها الأوامر والتعليمات، ولا تحتاج إلى إصدار توجيهات عملياتية عبر وسائل الإعلام. كما أن تكرار الدعوة لتغيير الأسلوب يوحي بأن توجيهات سابقة لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما يعكس ضعف الانضباط داخل الصفوف.
وفي حديثه لقواته: (أنتم انتصرتم ولقنتموهم درساً)، تبدو المفارقة أكثر وضوحا،. فمثل هذا الوصف لا ينسجم، في تقديري، مع المشهد الميداني الذي شهد وصول الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، إلى محاور العمليات برفقة أبرز قادة الإسناد العسكري، لذلك تبدو العبارة أقرب إلى محاولة لترميم المعنويات منها إلى توصيف دقيق لما يجري على الأرض.
ويأتي تأكيده أنه سيكون في الخطوط الأمامية ليحمل دلالة أخرى؛ إذ أسقط عملياً رواية من شككوا في المقاطع المصورة التي أظهرت تململ عناصر الدعم السريع من غيابه، وذهب بعضهم إلى وصفها بأنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، فإن الظهور الميداني للبرهان وسط قواته، وتفقده محور كردفان برفقة القوات المساندة، حمل رسالة ميدانية واضحة، يبدو أنها فرضت ضغطاً معنوياً على قيادة التمرد.
ومن أكثر العبارات دلالة قوله: (ننضف الطابور الخامس) فالحديث عن (طابور خامس) داخل التمرد يُفهم منه وجود اختراقات حقيقية، وهو ما يمكن قراءته بوصفه شهادة على فاعلية هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن في الوصول إلى عمق التمرد، بما يعيد إلى الأذهان العبارة التي اشتهر بها مني أركو مناوي: (جوه خالص).
أما قوله: (الرسن ما عندي… ونحن يا نكون أو لا نكون)، فيحمل، في قراءتي، اعترافاً بضيق الخيارات وتراجع القدرة على التحكم في مسار الأحداث، كما يوحي بتنصل من تحمل فاتورة القرارات السابقة. ويعكس أيضاً حجم الضغوط العسكرية والاجتماعية الداعية إلى إنهاء الحرب، إلى جانب ما يبدو أنه اتساع دائرة الانشقاقات والاستجابة لدعوات العودة إلى حضن الوطن.
وتبقى العبارة الأخيرة: (نطمئنكم الآن إخوانكم وصلوكم)، من أكثر العبارات إثارة للتساؤل. فإذا كانت قوات الإسناد قد وصلت بالفعل، فلماذا يكون التطمين عبر الإعلام؟ أليست هناك وسائل اتصال وقيادة تربط الوحدات ببعضها؟ في تقديري، تكشف هذه العبارة عن أزمة في منظومة التواصل والإسناد، وتعزز ما ذهبت إليه سابقاً من أن دارفور تمضي تدريجياً نحو التملص من قبضة الجنجويد.
خلاصة القول، إن الخطابات السياسية والعسكرية لا تُقرأ فقط بما يُقال فيها، وإنما بما تكشفه عباراتها من دلالات غير مقصودة، ومن هذه الزاوية، فإن خطاب حميدتي الأخير بدا، في تقديري، مليئاً بالرسائل التي تجاوزت هدف رفع المعنويات، لتقدم مؤشرات عن طبيعة التحديات التي تواجه التمرد، وفي الوقت نفسه منحت شهادة على فاعلية الجهد الاستخباري والأمني في اختراق بنيته وإرباك تماسكه الداخلي.



