سها المناصرة – مراسلين
في تطور سياسي وأمني لافت، عادت دمشق وتل أبيب إلى طاولة المحادثات المباشرة عبر اجتماع رفيع المستوى استضافه الأردن بوساطة أمريكية، في محاولة لخفض التصعيد بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية وتصاعد التوتر في جنوب البلاد.
وعُقد الاجتماع الأحد 23 أغسطس/آب 2026، وشارك فيه وفد سوري برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وعضوية رئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية، في مقابل وفد إسرائيلي رفيع المستوى. وأفادت تقارير إعلامية بأن الوفد الإسرائيلي ترأسه مدير جهاز الموساد رومان غوفمان.
وأكدت الحكومة الأردنية لاحقًا استضافتها الاجتماع استجابة لطلب سوري، موضحة أن هدفه بحث خفض التصعيد وتحقيق التهدئة، خصوصًا بعد القصف الإسرائيلي الذي استهدف مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب.
وبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السورية «سانا»، تركزت المباحثات على وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني قد يمهد لاتفاق أكثر شمولًا في المستقبل.
وشدد الوفد السوري خلال الاجتماع على حق دمشق في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره واختيار تحالفاتها وشراكاتها وفق مصالحها، رافضًا أي ترتيبات أمنية من شأنها تقييد سيادة الدولة.
كما تمسكت دمشق بثلاثة ملفات رئيسية في المرحلة الحالية: وقف الاعتداءات وعمليات الاستهداف، انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل.
تفاوض تحت النار
ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي عصمت العبسي أن العودة إلى المفاوضات تكشف عن مفارقة واضحة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني.
وقال العبسي في تصريح خاص لـ«مراسلين»، الاثنين 24 أغسطس/آب، إن الدبلوماسية الإسرائيلية الحالية «لا يمكن النظر إليها باعتبارها هدفًا بحد ذاتها»، معتبرًا أنها قد تستخدم لإدارة الأزمة وكسب الوقت بالتوازي مع محاولة تثبيت وقائع ميدانية جديدة.
وأضاف أن دمشق تتعامل مع هذا الواقع بحسابات دقيقة، موضحًا أن إغلاق باب الحوار بشكل كامل قد يرفع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة لا تخدم المصلحة السورية في المرحلة الراهنة، بينما يبقى وقف الاعتداءات شرطًا أساسيًا لأي تقدم حقيقي.
وقال العبسي: «نمد اليد للسلام، لكننا لن نقبل بتحويل طاولة المفاوضات إلى غطاء لاستمرار العدوان».
وأوضح أن الموقف السوري ينطلق من مجموعة مطالب لا يمكن فصل بعضها عن بعض، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وتفعيل اتفاق فض الاشتباك.
وأشار إلى أن المعيار الحقيقي لقياس جدية أي اتفاق لن يكون حجم التصريحات السياسية، وإنما وجود آليات تنفيذ ورقابة قابلة للتحقق تضمن الالتزام ببنوده على الأرض.
أزمة ثقة
وبحسب العبسي، فإن أحد أكبر العوائق أمام الوصول إلى اتفاق أمني مستقر يتمثل في أزمة الثقة بين الجانبين.
وقال إن دمشق «تفاوض من منطلق سيادي واضح»، بينما ترى أن إسرائيل تستخدم ما وصفه بـ«التفاوض تحت النار»، مضيفًا أن الاتفاق على مناطق عازلة أو ترتيبات أمنية مكتوبة لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تنفيذ ميداني واضح.
وأضاف أن سوريا لا تريد بناء ترتيبات أمنها المستقبلية على وعود شفوية، خصوصًا في ظل الخلافات السابقة حول تنفيذ التفاهمات واتهامات دمشق لتل أبيب بعدم الالتزام بها.
وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد قال في مقابلة مع «رويترز» قبيل الاجتماع إن مسار الاتفاق الأمني كان قد اقترب في مرحلة سابقة من التوصل إلى صيغة متقدمة، إلا أن دمشق لا تزال تشكك في مدى استعداد إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.
غرفة عمليات لمنع الصدام
ومن أبرز الملفات التي طُرحت خلال اللقاء، وفق مصادر نقلت عنها وكالة «فرانس برس»، مقترح إنشاء غرفة عمليات خاصة في الأردن تحت إشراف أمريكي.
وتهدف الآلية المقترحة إلى إنشاء قناة اتصال وتنسيق لتجنب سوء التقدير والاحتكاكات العسكرية داخل سوريا، ليس فقط بين القوات السورية والإسرائيلية، وإنما كذلك لمنع تحول التوتر المتزايد بين إسرائيل وتركيا إلى مواجهة مباشرة على الأراضي السورية.
وأوضح العبسي أن أهمية هذه الآلية تكمن في الانتقال من الاتصالات السياسية العامة إلى نظام عملي لإدارة الأزمات اليومية ومنع وقوع حوادث قد تتطور سريعًا إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وكانت الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور قد فجرت توترًا إضافيًا بين أنقرة وتل أبيب، بعدما قالت إسرائيل إنها استهدفت القاعدة لمنع ما وصفته بمحاولة تركية لتأسيس وجود عسكري قد يهدد أمنها، في حين نفت تركيا وسوريا وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية دائمة هناك.
كما تناول اجتماع الأردن، بحسب الإعلان السوري الرسمي، مساعي تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل وضمان عدم انتقال التوتر بينهما إلى داخل الأراضي السورية.
اختبار صعب للمفاوضات
ورغم إعادة فتح قناة التفاوض، لا تزال المؤشرات الميدانية تكشف اتساع الفجوة بين مواقف دمشق وتل أبيب.
ففي الثلاثاء 25 أغسطس/آب، وبعد يومين فقط من اجتماع الأردن، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال زيارة إلى القوات الإسرائيلية في جنوب سوريا أن إسرائيل لن تنسحب من جبل الشيخ أو ما تصفه بـ«المنطقة الأمنية» ما دامت ترى وجود تهديدات لأمنها.
ويتصادم هذا الموقف مباشرة مع أولوية دمشق المعلنة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقع ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما أدان الأردن دخول وزير الدفاع الإسرائيلي إلى الأراضي السورية، واعتبره انتهاكًا لسيادة سوريا وتصعيدًا استفزازيًا، مجددًا مطالبته بانسحاب إسرائيل واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وبين مسار تفاوض تدفع إليه واشنطن، وواقع ميداني لا يزال يشهد ضربات وتحركات عسكرية متبادلة الاتهامات، يبدو أن اجتماع الأردن فتح قناة جديدة لإدارة الأزمة، لكنه لم يحسم بعد السؤال الأصعب: هل تقود ترتيبات خفض التصعيد إلى اتفاق أمني قابل للتنفيذ، أم تبقى المفاوضات مجرد آلية لمنع الانفجار الكبير؟
#سوريا #الأردن #إسرائيل #مفاوضات #تركيا #مراسلين

