إسرائيل تنقل معركة الرواية إلى ويكيبيديا: دراسة تحذر من «تسميم المعرفة» وتقترح آليات للمواجهة

أبوبكر إبراهيم أوغلو – مراسلين
لم تعد إسرائيل تنظر إلى الصراع على صورتها في الفضاء الرقمي باعتباره مجرد معركة علاقات عامة أو مواجهة مع منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ تكشف دراسة إسرائيلية حديثة عن توجه نحو التعامل مع مصادر إنتاج المعرفة نفسها باعتبارها ساحة ذات أبعاد تتصل بالأمن القومي، وفي مقدمتها موسوعة ويكيبيديا ومحركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي.
وتزعم دراسة نشرتها الباحثة الإسرائيلية شلوميت لير في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، تحت عنوان «ويكيبيديا كبنية تحتية لتسميم المعرفة: آليات التحيز وخطوط المواجهة»، وجود نشاط منظم داخل ويكيبيديا الإنجليزية يعمل، وفق توصيفها، على إعادة تشكيل المعرفة المتعلقة بإسرائيل والصهيونية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ولا تكتفي الورقة بتشخيص ما تعتبره «تحيزًا ضد إسرائيل»، بل تدعو إلى بناء منظومة إسرائيلية طويلة المدى لمواجهته، تشمل الحكومة ومراكز البحث وشركات التكنولوجيا ومحركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغط لإجراء تغييرات داخل منظومة ويكيبيديا نفسها.
من «معركة الرواية» إلى «تسميم المعرفة»
تستخدم الدراسة مصطلح Knowledge Poisoning أو «تسميم المعرفة» لوصف عملية لا تعتمد بالضرورة على نشر معلومات كاذبة بشكل مباشر، وإنما على إدخال الانحياز في بنية إنتاج المعرفة نفسها، بحيث يتحول مع مرور الوقت إلى محتوى يُنظر إليه باعتباره محايدًا أو موثوقًا.
وتقول لير إن الخطر، وفق تصورها، يكمن في أن المعلومة بعد تثبيتها داخل ويكيبيديا لا تبقى في حدود الموسوعة، بل تنتقل إلى محركات البحث وأنظمة الاسترجاع وقواعد البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم يعاد إنتاجها في أماكن متعددة بصيغة تبدو أكثر رسوخًا وسلطة.
وتحدد الدراسة عدة آليات تقول إنها تستخدم لإحداث هذا التأثير، أبرزها الاختيار الانتقائي للمصادر، وإسقاط سياقات تاريخية، وإعادة تعريف مصطلحات مركزية، وتغيير ترتيب المعلومات، واستخدام صياغات سلبية بصورة غير متوازنة، وإعادة تأطير أحداث تاريخية وسياسية بحيث يصبح أحد التفسيرات هو الإطار المهيمن على المادة المنشورة.
وبهذا المعنى، ترى الدراسة أن الصراع لم يعد فقط حول سؤال: «هل المعلومة صحيحة أم خاطئة؟»، وإنما حول سؤال أكثر تعقيدًا: من يحدد السياق الذي توضع فيه المعلومة؟ وأي المصادر تحصل على صفة الموثوقية؟ وأي الوقائع تتصدر النص، وأيها تصبح هامشية أو تُحذف؟
الصهيونية والصراع الفلسطيني في قلب المعركة
تركز الدراسة بصورة خاصة على المقالات المتعلقة بالصهيونية والتاريخ اليهودي وإسرائيل والصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحركة حماس.
وتتهم شبكة من المحررين بتبني نمط متكرر يهدف، وفق الدراسة، إلى إضعاف حضور الرواية التاريخية اليهودية للعلاقة بالأرض، وتقديم الصهيونية بصورة مرتبطة أساسًا بالاستعمار والصراع مع الفلسطينيين، مقابل تقليل حضور التفسير الإسرائيلي للصهيونية باعتبارها حركة قومية يهودية.
وكانت لير قد نشرت في يناير/كانون الثاني 2026 دراسة أخرى قارنت طريقة تقديم مفهوم الصهيونية في ويكيبيديا الإنجليزية ومنصات معرفية أخرى، وخلصت فيها إلى أن مدخل الصهيونية في ويكيبيديا أصبح، من وجهة نظرها، محكومًا بإطار «ما بعد استعماري» أكثر وضوحًا.
لكن هذه الخلاصات تظل جزءًا من قراءة الباحثة والصياغة التي يتبناها المعهد الإسرائيلي، ولا تمثل في حد ذاتها إثباتًا مستقلاً بأن جميع الخلافات التحريرية في ويكيبيديا نتاج عملية سياسية منظمة.
محرر واحد وعشرات الآلاف من التعديلات
تستند الدراسة كذلك إلى حالة المحرر المعروف على ويكيبيديا باسم Iskandar323، والذي كان موضوعًا لبحث منفصل نشرته لير في مايو/أيار الماضي.
وبحسب الدراسة، عمل المحرر على ويكيبيديا نحو 12 عامًا، ونفذ أكثر من 25 ألفًا و900 تعديل داخل المقالات، إلى جانب نشاط واسع في صفحات النقاش، قبل منعه نهائيًا في مطلع عام 2026 بعد مخالفته قيودًا سابقة مرتبطة بالتحرير في موضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتستخدم لير هذه الحالة للقول إن التأثير لا يحتاج بالضرورة إلى إدخال معلومة مزيفة بشكل واضح، وإنما قد يتحقق عبر آلاف التعديلات الصغيرة المتعلقة بالمصطلحات والسياقات والمصادر وترتيب الوقائع.
كما تذهب الدراسة الأحدث إلى الحديث عن شبكة تضم نحو 100 محرر تصفهم بأنهم يحملون أنماط تحرير معادية لإسرائيل، وتتحدث عن وجود تنسيق خارجي واستخدام منصات مثل «ديسكورد» وتدريب محررين وإعداد قوائم بالمصادر قبل دخول النقاشات داخل ويكيبيديا. وهذه، تحديدًا، من المزاعم الرئيسية التي تطرحها الدراسة وتحتاج إلى التعامل معها بوصفها استنتاجات أصحابها ما لم تدعمها تحقيقات مستقلة إضافية.
الذكاء الاصطناعي.. «مضاعف قوة» للرواية
الجزء الأكثر أهمية في الدراسة ربما لا يتعلق بويكيبيديا نفسها، وإنما بما يحدث بعد ويكيبيديا.
إذ تعتبر الورقة أن صعود أنظمة الذكاء الاصطناعي ضاعف أهمية الصراع على المحتوى الموسوعي، لأن النصوص المنشورة في ويكيبيديا تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أنظمة البحث والاسترجاع ومصادر البيانات التي تعتمد عليها تطبيقات رقمية متعددة.
ومن هنا، تقول الدراسة، قد تنتقل أي انحيازات موجودة في مصدر معرفي إلى أنظمة أخرى، ثم يعيد الذكاء الاصطناعي صياغتها بلغة تبدو للمستخدم تقريرية وواثقة.
وتصف لير ذلك بأنه نوع من «التصديق الخوارزمي»؛ فالمشكلة، في نظرها، ليست أن الذكاء الاصطناعي يخترع معلومة جديدة بالضرورة، وإنما أنه قد يعيد إنتاج معرفة سبق تشكيلها سياسيًا ومنحها سلطة إضافية من خلال طريقة عرضه لها.
وهنا تنتقل الدراسة من نقد ويكيبيديا إلى طرح قضية أوسع: من يتحكم في المصادر التي تتعلم منها الآلة؟
إسرائيل مدعوة للتعامل معه كتهديد استراتيجي
تقترح الدراسة في المقام الأول أن تعترف مؤسسات الدولة الإسرائيلية رسميًا بما تسميه «تسميم المعرفة» باعتباره تهديدًا استراتيجيًا وليس مجرد مشكلة إعلامية.
وتوصي بإنشاء جهة حكومية مركزية أو آلية مشتركة بين الوزارات، تجمع جهات الخارجية والقانون والتعليم والتكنولوجيا والإعلام والبحث العلمي، وتتولى إعداد استراتيجية ممتدة لسنوات لمتابعة فضاءات المعرفة الرقمية.
واللافت أن الدراسة تحذر في الوقت نفسه من الاستعاضة عن العمل البحثي بحملات دعائية سريعة أو عمليات غير شفافة، وتطالب بأن يعتمد التدخل على دراسات وأدلة قابلة للفحص، معتبرة أن الصراع على المعرفة طويل الأجل ولا يمكن التعامل معه بحملات مؤقتة.
الضغط على شركات الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث
تذهب المقترحات إلى ما هو أبعد من ويكيبيديا.
فالدراسة تدعو المؤسسات الإسرائيلية إلى فتح حوار مباشر مع الشركات المشغلة لمحركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي بشأن الطريقة التي تستخدم بها ويكيبيديا كمصدر في الموضوعات السياسية والتاريخية الحساسة.
وتقترح، عندما تشير دراسات تجريبية إلى وجود انحياز منهجي، مطالبة تلك الشركات بإظهار أن المعلومات مصدرها ويكيبيديا، وتقديمها إلى جوار مصادر أكاديمية ورسمية وموسوعية أخرى، بدل جعل منصة واحدة مرجعًا معرفيًا مهيمنًا.
كما تقترح تشكيل فريق دولي يناقش معايير للشفافية والإفصاح عن المصادر وتقييمها داخل محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
مختبر لـ«حرب المعرفة»
ومن بين المقترحات الأكثر دلالة دعوة الدراسة إلى إنشاء مختبر أكاديمي لدراسة حرب المعرفة وسلامة المعرفة الرقمية داخل جامعة أو مركز بحثي.
وتحدد له مهام تشمل مراقبة التغييرات في ويكيبيديا لسنوات، وتحليل شبكات المحررين، ومقارنة النسخ المختلفة من المقالات، وبناء قواعد بيانات ومؤشرات قياس، وتطوير أدوات آلية تستطيع رصد أنماط التعديل غير الطبيعية قبل إخضاعها لمراجعة بشرية.
ويكشف هذا المقترح أن الدراسة تدفع باتجاه تحويل متابعة ويكيبيديا من نشاط دفاع إعلامي أو تطوعي إلى تخصص بحثي ومؤسسي دائم.
ماذا تريد الدراسة من «ويكيميديا»؟
المسار الثاني من المواجهة موجه إلى مؤسسة ويكيميديا ومجتمع محرري ويكيبيديا أنفسهم.
وتدعو الدراسة مؤسسة ويكيميديا إلى الاعتراف علنًا بوجود مشكلات تتعلق بالتلاعب المنظم بالمحتوى، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم خبراء من خارج ويكيبيديا في التاريخ وسياسات المعرفة وحروب المعلومات وحوكمة المنصات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
وتقترح أن تبحث اللجنة كيفية تطبيق قاعدة «وجهة النظر المحايدة»، وسياسات اعتماد المصادر، والتعامل مع تضارب المصالح، وآليات التحكيم، ومدى إمكانية استغلال قواعد ويكيبيديا من جانب مجموعات منظمة لبناء أغلبية داخل النقاشات التحريرية.
كما تطالب الدراسة بتبسيط قواعد ويكيبيديا المعقدة وإتاحتها بصورة أوضح للمحررين الجدد، حتى لا يتحول إتقان الإجراءات الداخلية إلى أداة تمنح المحررين القدامى قدرة أكبر على التحكم في النقاش.
وتقترح كذلك تطوير أنظمة الشكاوى والاستئناف والحماية من المضايقات، وإنشاء آليات تسمح بدراسة أنماط السلوك المتراكم بدل تقييم كل تعديل أو شكوى باعتبارها حادثة منفصلة، إضافة إلى توفير قنوات سرية في حالات الاشتباه في حملات مضايقة منظمة.
أما بالنسبة للمقالات شديدة الحساسية، فتقترح الدراسة عمليات مراقبة منتظمة ومراجعة رجعية لسجلات التعديل والاستعانة بأدوات آلية لاكتشاف الأنماط الاستثنائية، على أن يبقى القرار النهائي للبشر وفق معايير معلنة.
ويكيبيديا تقول إن الحياد مبدأ أساسي
في المقابل، تنص قواعد ومبادئ ويكيميديا نفسها على أن «وجهة النظر المحايدة» تمثل أحد المبادئ الأساسية للمشروع، وأن المحتوى ينبغي أن يقدم وجهات النظر المهمة بصورة عادلة ومتناسبة، كما تؤكد المؤسسة أهمية الدقة وجودة المعلومات.
ويكشف ذلك أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول وجود مبدأ الحياد، بل حول من يقرر أن تطبيقه قد انحرف، وكيف يمكن قياس ذلك دون استبدال انحياز بآخر.
وقد ظهر هذا الصراع علنًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عندما انتقد جيمي ويلز، الشريك المؤسس لويكيبيديا، طريقة صياغة مقال «الإبادة الجماعية في غزة»، وقال إن طريقة تقديم القضية لم تكن متوافقة، من وجهة نظره، مع معايير الحياد. وفي المقابل تعرض موقفه لاعتراض واسع من محررين ومنظمات رأت أن التدخل نفسه يعكس انحيازًا سياسيًا، ما يقدم نموذجًا عمليًا لتعقيد الصراع حول تعريف «المعرفة المحايدة» في القضايا شديدة الاستقطاب.
ما وراء ويكيبيديا.. معركة على من يكتب «الحقيقة الرقمية»
الأهم في الدراسة الإسرائيلية أنها تكشف تحولًا في مفهوم الحرب على الرواية.
فبدل الاكتفاء بالرد على خبر أو منشور أو حملة إعلامية، تدعو الدراسة عمليًا إلى الانتقال إلى مستوى أعمق: مراقبة الأماكن التي تُصنع فيها المعرفة، والمصادر التي تستند إليها محركات البحث، والبيانات التي تستخدمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والآليات التي تمنح معلومة معينة صفة «الحقيقة» في البيئة الرقمية.
ومن هذه الزاوية، تصبح ويكيبيديا بالنسبة للدراسة نموذجًا لمعركة أوسع ستزداد أهميتها خلال السنوات المقبلة: من يملك القدرة على تشكيل المادة الخام التي تعتمد عليها الخوارزميات في تفسير التاريخ والسياسة والصراعات؟
وتكشف التوصيات أن إسرائيل بدأت تنظر إلى هذه المساحة باعتبارها جزءًا من بنيتها الاستراتيجية، عبر الجمع بين العمل الحكومي والدبلوماسي والبحث الأكاديمي والتكنولوجيا، ومحاولة التأثير في قواعد عمل منصات المعرفة ذاتها.
وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في صحة أو عدم صحة المزاعم الإسرائيلية عن وجود شبكة تستهدف الرواية الإسرائيلية، وإنما في إدراك التحول نفسه: المعركة المقبلة على الرواية لن تجري فقط داخل غرف الأخبار أو شبكات التواصل، بل داخل قواعد البيانات والموسوعات ومحركات البحث والنماذج التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي.
وهنا يصبح السؤال العربي المقابل أكثر إلحاحًا: هل تمتلك المؤسسات الأكاديمية والإعلامية العربية بنية منظمة لإنتاج المعرفة الرقمية الموثقة حول فلسطين والمنطقة وإتاحتها عالميًا، أم أنها ستظل حاضرة في معركة الخبر اليومي وغائبة عن المعركة الأكثر استدامة على مصادر المعرفة نفسها؟



