فتح على نفسه باب لا يحتمله … هل أخطأ الحوثي في حساباته؟

بقلم مهند أحمد شبير
حين قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن الحوثي «فتح على نفسه بابًا لا يحتمله»، لم تكن العبارة مجرد رد على الاعتداءات الأخيرة، بل اختصارًا لمشهد قد تقود فيه الحسابات الخاطئة إلى نتائج تتجاوز ما أراده أصحابها.
فقد استهدفت الاعتداءات الحوثية أعيانًا مدنية ومنشآت حيوية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفرت عن إصابة 73 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال. ووصف المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، الاعتداءات بأنها تصعيد خطير، مؤكدًا أنها تعكس النهج العدائي وغير المسؤول للميليشيا، وتمثل انتهاكًا سافرًا لسيادة المملكة وتهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين والمقيمين وسلامتهم.
وأكد المالكي أن قيادة القوات المشتركة للتحالف ستتخذ الإجراءات اللازمة لردع الميليشيا، والرد على مصادر التهديد وتحييد خطرها.
وفي موازاة الموقف الميداني، حملت تصريحات الأمير فيصل بن فرحان من موسكو الرسالة السياسية الأوضح.
فقد أكد أن المملكة لن تتردد في الدفاع عن نفسها، وستستخدم الوسائل المتاحة لحماية مصالحها، مشددًا في الوقت نفسه على أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا.
وفي تفسيره للسلوك الحوثي، قال وزير الخارجية إن الحوثي يحاول تصدير مشكلاته الداخلية في اليمن إلى السعودية، ويلجأ إلى العنف كلما وجد نفسه في موقف صعب، وإن هذا النهج يفرض مزيدًا من المعاناة على الشعب اليمني بدلًا من الانخراط بمسؤولية في المسار السياسي. كما أشار إلى أن الحكومة اليمنية الشرعية أتاحت فرصة للتفاوض بمسؤولية، في حين يغلّب الحوثي مصالحه الضيقة على مصالح اليمن وشعبه.
وهنا تتضح المعادلة السعودية: باب الدبلوماسية مفتوح، لكن أمن المملكة ليس موضع مساومة.
ومن هنا، يبدو أن الخطأ في حسابات الحوثي يتجاوز مجرد قرار التصعيد؛ فنقل التصعيد إلى السعودية لا يعالج أزمات الداخل اليمني، بل قد يفتح حسابات جديدة لم تكن قائمة قبل الاعتداء.
وفي الموروث الشعبي لأهل جازان مثل يختصر هذه الصورة ببلاغة بسيطة: «غبِّر يا ثور على قرنك».
وتقوم صورته على ثور يثير التراب بقرنيه، فيتصاعد الغبار ثم يرتد إلى رأسه وعينيه؛ فيصبح أول المتضررين مما أثاره، وهو يظن أنه يضر غيره.
ولعل في هذا المثل صورة قريبة من مأزق الحوثي؛ فحين يختار التصعيد كلما ضاقت عليه الخيارات، قد يظن أنه يحقق ضغطًا أو مكسبًا، بينما يضيف إلى أزماته أزمة جديدة، وإلى معاناة اليمنيين كلفة إضافية.
فالخطأ لا يكمن دائمًا في القدرة على فتح باب التصعيد، بل في تقدير ما قد يأتي بعد فتحه، وفي الاعتقاد بأن من يبدأ التصعيد يستطيع دائمًا التحكم في نهايته.
وفي النهاية، لا يبدو نقل التصعيد إلى الأراضي السعودية طريقًا إلى معالجة أزمة الحوثي في الداخل، بقدر ما يضيف إلى المشهد حسابات جديدة. فالمملكة، وهي تبقي طريق الدبلوماسية مفتوحًا، أعلنت بوضوح أنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها وحماية أمنها ومصالحها.
وبين «باب لا يحتمله» و«غبِّر يا ثور على قرنك» تلتقي الرسالة السياسية بالحكمة الشعبية في معنى واحد: قد يظن من يثير الغبار أنه أصاب خصمه، قبل أن يكتشف أن أول ما حجبه الغبار كان رؤيته لما ينتظره.




