سورياسياسة

«الباص الأخضر» يوثّق ذاكرة التهجير السوري من قسوة الرحيل إلى فرحة العودة

سها المناصرة | مراسلين

يروي الفيلم الوثائقي «الباص الأخضر»، للمخرج السوري فادي بعاج، واحدة من أكثر صفحات الثورة السورية إيلامًا، مستعيدًا حكايات التهجير القسري التي ارتبطت في ذاكرة السوريين بتلك الحافلات، قبل أن يوثّق عودة أبطاله إلى مدنهم ومنازلهم بعد سنوات من المنفى.

ويتتبع الفيلم تجارب أربعة سوريين من حمص وحلب والغوطة الشرقية ودرعا، لكل منهم حكايته الخاصة مع الحصار والاقتلاع والرحيل. ورغم اختلاف الأماكن والتوقيتات، جمعت بينهم وسيلة واحدة للتهجير، تحولت مع مرور الوقت إلى رمز لمرحلة قاسية من تاريخ البلاد.

أربع حكايات من مدن مختلفة

وقال المخرج فادي بعاج، في تصريح خاص لـ«مراسلين»، إن العمل بدأ بتوثيق قصص أبطاله الأربعة، منذ تهجير سكان حمص وصولًا إلى عمليات التهجير التي شهدتها درعا، موضحًا أن إنجاز الفيلم استغرق نحو عام ونصف.

وأضاف أن العمل استُكمل بعد شهر من التحرير، حين رافق فريق التصوير أبطال الفيلم إلى مدنهم لتوثيق لحظات العودة، بعدما كان المشروع في بدايته يركز على تسجيل ما ارتكبه النظام السابق بحق المدنيين خلال عمليات الحصار والتهجير القسري.

وأكد بعاج أن الفيلم سعى إلى الاقتراب من الحقيقة كما عاشها أصحابها، بعيدًا عن التجميل أو التلاعب بالوقائع، مع إخضاع الشهادات للمراجعة والتحقق من أشخاص عايشوا الأحداث، بينهم صحفيون وناشطون وشهود على عمليات التهجير.

الوطن في تفاصيل صغيرة

لا يتوقف «الباص الأخضر» عند مشاهد النزوح الجماعي، بل يقترب من التفاصيل الشخصية التي بقيت عالقة في ذاكرة أبطاله.

يروي أحدهم ألمه لترك قبر والده في الغوطة الشرقية، وخوفه من تعرض المقبرة للهدم، بينما تتحدث إحدى بطلات الفيلم، وهي من حلب، عن تمسكها بمكتبة والدها الراحل، التي تعدها كنزًا عائليًا لا يمكن تعويضه.

وتكشف هذه التفاصيل، بحسب المخرج، عن علاقة كل شخصية بمدينتها وبيتها وذاكرتها الخاصة. ففي الجزء الأول، يستعيد الأبطال مرارة اقتلاعهم من أرضهم وابتعادهم عن عائلاتهم، بينما يرصد الجزء الثاني فرحتهم بالعودة إلى مدنهم ومنازلهم، وإنهاء سنوات المنفى.

بين الشهادة والمحاكاة البصرية

اعتمد الفيلم على شهادات أبطاله، إلى جانب مواد مصورة احتفظوا بها على أجهزتهم الإلكترونية خلال تنقلهم بين المدن السورية. وأسهمت هذه التسجيلات في تعزيز الطابع التوثيقي للعمل، وربط الحكايات الشخصية بالسياق العام للأحداث.

وأوضح بعاج أن فريق العمل استخدم أيضًا مشاهد تعبيرية لمحاكاة بعض الوقائع التي تعذر تصويرها وقت حدوثها، من بينها زيارة أحد الأبطال لمقبرة تستحضر قبر والده، وصعوبة الطريق المؤدي إلى حافلات التهجير، إلى جانب لقطات فوتوغرافية لمدينة حمص خلال رحلة المنفى.

كما استعان الفيلم بلوحات فنان تشكيلي، وُظفت ضمن لقطات ثابتة لخدمة السرد البصري، من دون تقديمها بوصفها تسجيلًا مباشرًا للأحداث.

صعوبات التصوير

شكّل التباعد الجغرافي بين أبطال الفيلم أحد أبرز التحديات التي واجهت فريق العمل، إذ كان كل منهم يعيش في منطقة مختلفة. واضطر الفريق إلى تنفيذ عمليات التصوير في مواقع متعددة داخل الشمال السوري، وإعادة بناء بعض الأجواء بصريًا بما يحافظ على صدقية الرواية ولا يخلط بين المشهد التعبيري والوثيقة الأصلية.

وقال بعاج إن الحرص على التحقق من القصص ومطابقتها مع شهادات أشخاص آخرين واكبوا الأحداث كان جزءًا أساسيًا من عملية الإنتاج، قبل اختيار الوقائع التي ظهرت في النسخة النهائية.

ذاكرة جماعية على الشاشة

يرى بعاج أن الفيلم لم يقدم حكايات فردية فحسب، بل عبّر عن ذاكرة جماعية لدى السوريين. وقد ظهر ذلك، وفق قوله، في تفاعل الجمهور مع العرض، وما رافقه من بكاء واستعادة لقصص مشابهة، قبل أن تتحول المشاعر إلى فرح مع مشاهد العودة والتحرير.

وأضاف أن عبارة «الباص الأخضر» ما تزال تستدعي لدى السوريين ذكريات الحصار والاقتلاع من المنازل والمدن، مؤكدًا ضرورة توثيق تلك المرحلة وحفظ شهادات من عاشوها، ومعتبرًا أن التهجير القسري وانتزاع السكان من أراضيهم يمثلان جريمة لا ينبغي أن تسقط من الذاكرة.

درعا تروي تجربتها

من جانبه، قال مالك الخبي، مدير العلاقات العامة في مديرية الإعلام بمحافظة درعا وأحد أبطال الفيلم، إن التهجير القسري كان من أقسى الممارسات التي استخدمها النظام السابق في مواجهة الثورة السورية، وإن «الباص الأخضر» أصبح رمزًا لتلك المرحلة.

وأضاف في حديثه لـ«مراسلين» أن مشاركته في الفيلم أتاحت له نقل جانب من معاناة السوريين إلى الجمهور، موضحًا أن عرض العمل تأخر إلى ما بعد التحرير، قبل أن يستكمل المخرج وتلفزيون العربي الجزء الآخر بعنوان «الباص الأخضر: نهاية المنفى»، الذي وثّق لحظات عودة أبطال الفيلم إلى عائلاتهم ومنازلهم.

وبين الرحيل والعودة، يقدم «الباص الأخضر» شهادة بصرية على مرحلة لم تنته آثارها بانتهاء رحلة التهجير؛ فالمدن التي غادرها أصحابها قسرًا بقيت حاضرة في ذاكرتهم، حتى جاء اليوم الذي عبروا فيه الطريق ذاته، لكن في الاتجاه المعاكس.

الوسوم:
#فن #ثقافة #سينما #أفلام_وثائقية #الباص_الأخضر #سوريا #التهجير_القسري #مراسلين #سها_المناصرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى