مقالات

عراق ما بعد الاستحقاق: أزمة القرار داخل الإطار التنسيقي بين التوافق الداخلي وتحولات الإقليم

مساحة اعلانية 4

نبيل خالد مخلف باحث في الشأن السياسي

يمثل التأجيل المتكرر لاختيار رئيس مجلس الوزراء في العراق، في سياق عجز «الإطار التنسيقي»، عن حسم هذا الاستحقاق، ظاهرة سياسية تستدعي مقاربة تحليلية تتجاوز التفسير الظرفي إلى تفكيك البنى العميقة المنتجة لها، فهذه الحالة لا تعكس فقط الخلافات الداخلية على المرشحين لمنصب رئيس الوزراء، بقدر ما تكشف عن اختلالات بنيوية في آليات صنع القرار داخل النظام السياسي، وتداخل معقد بين محدداته الداخلية وارتباطاته الإقليمية والدولية.

على المستوى البنيوي، يمكن فهم هذا التعثر في ضوء طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق النخبوي، حيث تتوزع السلطة بين فاعلين متعددين دون وجود مركز قرار حاسم. وضمن هذا الإطار، يتحول مبدأ التوافق من أداة لإدارة التعدد إلى آلية لإعادة إنتاج التعطيل، إذ تمتلك كل كتلة قدرة “فيتو ضمني” يتيح لها منع تمرير أي خيار لا يتوافق مع مصالحها. ونتيجة لذلك، يصبح اتخاذ القرار رهينة لمعادلة معقدة من التوازنات، تُفضي غالباً إلى ما يمكن تسميته بـ“اللاقرار المؤسسي”.

هذا النمط من السلوك السياسي يعكس أيضاً الغياب النسبي لمأسسة العملية السياسية، حيث لا تُحسم الاستحقاقات وفق قواعد إجرائية مستقرة، بل عبر تفاهمات متغيرة تُصاغ خارج الأطر الرسمية. ومن ثم، فإن التأجيل لا يُعد انحرافاً عن القاعدة، بل جزءاً من آلية عملها، بما يحول الزمن السياسي إلى أداة تفاوضية تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق.

غير أن الاقتصار على البعد الداخلي يظل قاصراً عن تفسير الظاهرة بشكل كامل، إذ يتعين إدراجها ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتعدد الاسباب الأخرى، يتأثر بدرجة كبيرة بالتفاعلات بين إيران والولايات المتحدة، لاسيما في ظل استمرار مسارات التفاوض بينهما. وفي هذا السياق، يمكن افتراض أن حالة “الانتظار السياسي” داخلياً ترتبط جزئياً، بحالة “اللايقين الاستراتيجي” التي تحكم هذه العلاقة.

بعبارة أخرى، لا يُنظر إلى اختيار رئيس الوزراء كقرار داخلي صرف، بل كجزء من معادلة التوازن الإقليمي، مما يدفع بعض الفاعلين إلى تفضيل تأجيل قرار الحسم إلى حين اتضاح اتجاهات هذه التوازنات، وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بـ“التكيف مع البيئة الخارجية”، حيث يُعاد ضبط الإيقاع الداخلي بما يتلاءم مع معطيات لم تُحسم بعد على المستوى الدولي أو بالأحرى لم تحسم بين إيران والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، تكتسب الأزمة الراهنة بعداً تحليلياً يرتبط بإشكالية الاستقلال النسبي للقرار السياسي في الدول ذات البنية التوافقية الهشة، فكلما ارتفعت درجة الانقسام الداخلي، ازدادت قابلية النظام للتأثر بالعوامل الخارجية، والعكس صحيح. ومن ثم، فإن أي تأجيل لأي قرار سياسي يتعلق بمصير الدولة لا يعكس فقط مسألة العجز الداخلي، بل يشير أيضاً إلى درجة الانكشاف البنيوي على البيئة الإقليمية المؤثرة جداً على داخل الدولة.

من زاوية نظرية، يمكن مقاربة هذه الحالة من خلال التمييز بين نمطين من ممارسة السلطة: “السلطة كأداة للحكم” و“السلطة كموضوع للتقاسم”. ففي الحالة الأولى، تُبنى القرارات على أساس الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة، بينما في الحالة الثانية تُختزل العملية السياسية في إعادة توزيع الموارد والمواقع بين الفاعلين. ويبدو أن النمط الثاني لا يزال مهيمناً، مما يفسر تحول الاستحقاقات الدستورية إلى ساحة تنافس لا تفاهم أو تعاون.

مما تقدم، يمكن القول إن تأجيل اختيار رئيس الوزراء لا يمثل إخفاق سياسي مرحلي، بل هو تعبير عن تفاعل مركب بين بنية داخلية قائمة على التوافق غير المستقر، وبيئة خارجية تتسم بالسيولة والاضطراب. وعليه، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز المقاربة الحدثية إلى تحليل أنماط السلوك السياسي، وآليات إنتاج القرار، وحدود تأثير العوامل الخارجية.

ويبقى السؤال المركزي؛ هل يمتلك النظام السياسي العراقي القدرة على الانتقال من نمط “إدارة التوازنات” إلى نمط “إنتاج القرار”؟ أم أن منطق التأجيل سيظل السمة الغالبة، بما يعكس استمرار اختلال العلاقة بين الداخل والخارج، وبين مقتضيات الحكم وحسابات الفاعلين؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، مآلات العملية السياسية في العراق، ليس فقط في هذا الاستحقاق، بل في مسارها العام خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews