“العربي عربي ، ولو كان الكولونيل بن داود.”

بقلم: مولود سعدالله
هي مقولة من الذاكرة الشعبية الجزائرية وخلاصة تجربة طويلة مع نظرة الآخر ، قد يتغير اللباس قد تتغير الرتبة قد تتعدد الجنسيات ، لكن في لحظة ما يعود التعريف إلى الأصل.
المقولة انتشرت زمن الاستعمار الفرنسي وبقيت إلى الآن و تعني : أن العربي يبقى عربي في نظر المستعمر حتى لو كان الكولونيل بن داود ، وهو محمد بن داود جزائري خدم لصالح فرنسا في القرن 19 وتدرج في الرتب حتى وصل لرتبة كولونيل.
اليوم عادت هذه العبارة إلى الواجهة بعد التصريحات الأخيرة للكاتب بوعلام صنصال، الذي قال بوضوح إن “فرنسا انتهت بالنسبة له” وإن مغادرته مسألة وقت بعد أشهر يقضيها هناك للعلاج.
الرجل لا يعتبر اسماً عادياً في المشهد الثقافي فهو كاتب يكتب بالفرنسية عاش جدلاً طويلاً بسبب مواقفه الحادة تجاه الجزائر، ودخل في صدامات علنية مع السلطة لأنه يخدم الأجندة الفرنسية ثم مر بتجربة السجن قبل أن يشمله عفو رئاسي ويغادر البلاد ، في تلك المرحلة كان يقدم في الإعلام الفرنسي باعتباره صوتاً حراً و”كاتباً فرنسياً كبيراً” .
لكن مع مرور الوقت تغير تبدلت النبرة ، وأصبح توصيفه في عدد من الوسائل الإعلامية الفرنسية يعود إلى “كاتب جزائري” قد يبدو الأمر عادياً لكنه في قضايا الهوية ليس تفصيلاً بسيطاً.
صنصال أعلن أنه سيغادر فرنسا،البعض قرأ في كلامه خيبة والبعض رآه قراراً شخصياً بعد مرحلة توتر داخل الوسط الثقافي هناك، خاصة بعد الجدل الذي رافق انتقاله إلى دار نشر مرتبطة باسم مثير للنقاش في الساحة الفرنسية .
في الجزائر تلقى كثيرون الخبر بنوع من التأمل المشوب بالسخرية ، فالرجل الذي هاجم بلده في أكثر من مناسبة ووجه نقداً قاسياً للسلطة وللواقع ، يجد نفسه اليوم يعلن نهاية علاقة مع فرنسا أيضا
لتعود المقولة الشعبية لتفرض نفسها من جديد خاصة وأنه كان مقرب جداً من السلطات الفرنسية و مباشرة بعد مغادرته الجزائر بعد الإفراج عنه انقلبت عليه ؟!
لتطرح التساؤلات التالية:
هل الاعتراف الثقافي ثابت أم مرتبط بظرف سياسي؟
وهل يبقى المثقف مقبولاً طالما يخدم سردية معينة، ثم يعاد تعريفه عندما تتبدل الموازين؟
ما حدث حتى الآن يكشف أن العلاقة بين العربي والفضاء الغربي ظلت دائمًا علاقة معقدة احتفاء حيناً وتصنيف حيناً آخر ، وفي توتر ما أو انكشاف أو انتهاء صلاحية يعود الأصل إلى الواجهة.
“العربي، عربي ولو كان الكولونيل بن داود.”
المقولة تأمل في واقع يتكرر بصيغ مختلفة كلما ظن البعض أن الهوية يمكن أن تعاد كتابتها بسهولة.



