أخبارعربي و دوليمقالات

لبنان تحت النار.. والتفاوض يُطرح في ظل حرب تتوسع

مساحة اعلانية 4

ريتا الأبيض – مراسلين

لا يأتي الحديث عن التفاوض بين لبنان وإسرائيل في لحظة سياسية عادية، بل في ظل حرب مفتوحة لم تعد محصورة بالجنوب، بل وصلت إلى بيروت نفسها. هذا التحول وحده يغيّر طبيعة النقاش بالكامل، لأن أي مسار سياسي يُطرح تحت القصف لا يمكن فصله عن ميزان القوة الذي يُفرض على الأرض.

في الأيام الأخيرة، كُشف عن محادثات مباشرة نادرة بين لبنان وإسرائيل تُعقد في واشنطن برعاية أميركية. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عقود، تعكس حجم الضغط الدولي للدفع نحو ترتيبات جديدة، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة جدية حول الظروف التي يُدفع فيها لبنان إلى طاولة التفاوض.

لبنان، بحسب ما يُطرح رسمياً، يدخل هذا المسار بهدف وقف إطلاق النار وتهدئة الجبهة. في المقابل، تضع إسرائيل سقفًا مختلفاً، يتصل بملفات تتجاوز التهدئة، وفي مقدمها مسألة سلاح حزب الله. هذا التباين في الأهداف لا يبدو تفصيلياً، بل يعكس فجوة أساسية في طبيعة ما يريده كل طرف من هذه المحادثات.

لكن قبل السياسة، هناك واقع على الأرض لا يمكن تجاهله. الجنوب اللبناني يعيش منذ أشهر حالة استنزاف يومي، مع قرى مدمّرة، أراض زراعية تُركت، وعائلات نزحت أو تعيش في ظروف قاسية. هذا المشهد لا يُختصر بخسائر مادية فقط، بل يطال حياة كاملة توقفت. ومع توسّع التصعيد، لم يعد هذا الواقع محصوراً بالجنوب، بل امتد إلى بيروت، حيث سقط قتلى وجرحى في غارات مباشرة، ما يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة.

بهذا الواقع، الحديث عن التفاوض ما عاد ينفصل عن معاناة الناس إذا لم ينطلق منها. لأن ما يُطرح على الطاولة يرتبط مباشرة ببيوت تهدّمت، ومواسم ضاعت، وناس فقدت الحد الأدنى من الاستقرار. أي مقاربة لا تضع هذه الوقائع في صلبها تبقى ناقصة، مهما بدت منطقية على الورق.

التجربة السابقة تضيف طبقة أخرى من التعقيد. اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في نهاية عام 2024 لم يتحول إلى استقرار فعلي، بل تبادل الطرفان الاتهامات بخرقه منذ أيامه الأولى، واستمرت الاعتداءات والطلعات الجوية. هذا الواقع جعل مسألة الثقة بأي التزام جديد موضع شك واسع، خصوصاً لدى سكان الجنوب الذين يختبرون هذه الخروقات بشكل مباشر.

اليوم، لا تبدو المسألة نقاشاً نظرياً حول مبدأ التفاوض، بل نقاشاً حول توقيته وشروطه. فلبنان لا يدخل هذه المحادثات من موقع مستقر، بل من تحت ضغط عسكري، اقتصادي وإنساني. ومع غياب موقف داخلي موحّد، في ظل رفض واضح من أطراف أساسية لهذا المسار، يصبح السؤال عن قدرة لبنان على التفاوض بشروطه أكثر إلحاحًا.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن البديل عن المسار السياسي قد يكون تصعيداً أوسع، في بلد يرزح أصلاً تحت أزمات متراكمة. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن التفاوض، حين يأتي في ظل الحرب، لا يكون خياراً حراً بالكامل، بل نتيجة ميزان قوى مفروض.

في المحصلة، لبنان اليوم أمام واقع معقّد: حرب تتوسع من الجنوب إلى بيروت، ضغط دولي لفتح مسار تفاوضي، وانقسام داخلي حول هذا الخيار. وبين هذه العوامل، تبقى الحقيقة الأوضح أن الناس على الأرض تدفع الكلفة الأكبر، فيما القرار السياسي يُصاغ تحت النار، لا بعيداً عنها.

شبكة مراسلين

ريتا الأبيض - صحفية وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، مهتمة بتغطية الأخبار الرياضية وتحليلها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews