اقتصادتقارير و تحقيقات

الاقتصاد الفلسطيني كأداة صمود: رجال الأعمال والتنمية في مواجهة التحديات

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

في التجربة الفلسطينية المعاصرة، كثيراً ما يُقرأ الصراع من زاوية السياسة والأمن والمواجهة الميدانية، بينما تبقى الساحة الاقتصادية أقل حضوراً في النقاش العام، رغم أنها واحدة من أهم ساحات الصمود. فالشعوب التي تسعى إلى الحرية لا تحتاج إلى خطاب سياسي قوي فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، وحماية المجتمع من الانهيار، وتقليل التبعية، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة شديدة التعقيد.

البطالة والانكماش الاقتصادي: أرقام تكشف حجم التحدي الفلسطيني

تكشف الأرقام حجم التحدي؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة في فلسطين خلال عام 2024 إلى مستويات غير مسبوقة، لتصل إلى نحو 51%، بواقع 35% في الضفة الغربية و80% في قطاع غزة. كما تعرّض الاقتصاد الفلسطيني لانكماش حاد بفعل الحرب، والقيود على الحركة، وتراجع فرص العمل، وتعطّل سلاسل الإنتاج والتجارة. هذه المؤشرات لا تعكس أزمةً اقتصادية عابرة، بل تعبّر عن ضغط بنيوي طويل الأمد يطال سوق العمل، والاستثمار، والقطاع الخاص، وقدرة الأسر الفلسطينية على الصمود.

الاستثمار الفلسطيني: فعل اقتصادي بأبعاد وطنية واجتماعية

في مثل هذه البيئة، لا يمكن النظر إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى باعتبارها مشاريع ربحية فقط؛ فكل استثمار فلسطيني ناجح داخل الأرض المحتلة يحمل بُعداً وطنياً واجتماعياً، لأنه يفتح فرص عمل، ويدعم الدورة السوقية المحلية، ويمنح الشباب سبباً إضافياً للبقاء والعمل داخل وطنهم بدلاً من الهجرة أو انتظار المساعدات. ومن هنا تبرز أهمية رجال الأعمال الشرفاء الذين لا يكتفون بتراكم رأس المال، بل يوظّفونه في بناء مؤسسات ومشاريع قادرة على خدمة المجتمع ودفع عجلة التنمية.

لقد برزت خلال العقود الماضية نماذج فلسطينية حاولت التعامل مع التنمية باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، عبر الاستثمار في العقارات، والاتصالات، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، وريادة الأعمال. هذه التجارب لم تكن بمنأى عن النقد والجدل — وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي — لكنها طرحت سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للاقتصاد أن يكون أداةً لتعزيز الوجود الفلسطيني على الأرض؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تستحق التأمل؛ ففي ظروف الاحتلال والقيود الإدارية والأمنية، يصبح بناء مصنع، أو شركة تكنولوجيا، أو حي سكني، أو مدينة جديدة، عملاً يتجاوز الحسابات التجارية التقليدية. إنه اختبار لقدرة الفلسطينيين على التخطيط والتنفيذ والاستمرار رغم العراقيل، ومحاولة لخلق واقع مختلف يمنح المجتمع مساحةً أوسع للحياة والعمل والأمل.

مدينة روابي: نموذج القطاع الخاص الفلسطيني في مواجهة المستحيل

ومن أبرز النماذج التي أثارت نقاشاً واسعاً في هذا السياق تجربة رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، المرتبطة بمشروع مدينة روابي، أول مدينة فلسطينية مخططة ومتكاملة في الضفة الغربية. وقد شكّلت روابي نموذجاً عملياً لقدرة القطاع الخاص الفلسطيني على الدخول في مشاريع تنموية كبرى، في بيئة لا تشبه ظروف الاستثمار الطبيعية في الدول المستقرة.

تكتسب روابي أهميتها من عدة زوايا؛ فهي ليست مجرد مشروع عمراني، بل محاولة لبناء نموذج حضري فلسطيني حديث، يضم آلاف الوحدات السكنية، ومرافق عامة، ومساحات تجارية وثقافية وترفيهية، وبنية تحتية مصممة لخدمة عشرات الآلاف من السكان عند اكتمال مراحل المشروع. فضلاً عن ذلك، فإن حجم الاستثمار فيها — الذي تجاوز حاجز المليار دولار وفق مصادر المشروع — يجعلها من أكبر استثمارات القطاع الخاص في فلسطين.

اقتصادياً، أسهم المشروع في تحريك قطاعات متعددة، من البناء والمقاولات إلى الخدمات والتجارة والتكنولوجيا، ووفّر خلال مراحل الإنشاء آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وخلق أثراً مضاعفاً لدى شركات وموردين وعمال وفنيين فلسطينيين. وفي اقتصاد يعاني من بطالة مرتفعة وقيود على الحركة والعمل، تصبح مثل هذه الفرص جزءاً من شبكة أمان اجتماعية واقتصادية لا يُستهان بها.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على روابي وحدها، بل تمتد إلى الفكرة التي تمثّلها: أن الفلسطيني قادر على بناء مدينة، وإدارة استثمار ضخم، وخلق نموذج تنموي رغم القيود السياسية واللوجستية والقانونية. وهذه الرسالة مهمة في حد ذاتها، لأنها تواجه صورةً نمطية تحصر الفلسطيني في خانة الضحية فقط، بينما هو أيضاً صاحب مبادرة، ومهندس، ومستثمر، وعامل، وصانع مستقبل.

بشار المصري أمام القضاء الأمريكي: حين يتحول رجل الأعمال إلى هدف سياسي

لكن الشخصيات الاقتصادية البارزة في الحالة الفلسطينية غالباً ما تجد نفسها في قلب معارك تتجاوز الاقتصاد؛ فعندما يتحول رجل الأعمال إلى فاعل مؤثر في المجال العام، يصبح عُرضةً للنقد والاستهداف والضغوط، سواء من خصوم سياسيين أو من جهات ترى في أي تجربة فلسطينية مستقلة تهديداً لمعادلات السيطرة والتبعية.

وفي حالة بشار المصري، برز مؤخراً جدل قانوني وسياسي في الولايات المتحدة، بعد رفع دعوى مدنية ضده وضد شركات مرتبطة به، تتضمن اتهامات خطيرة على خلفية مشاريع اقتصادية في غزة. وطلب محاموه من القضاء الأمريكي رد الدعوى، معتبرين أنها تُساوي بين المشاركة في اقتصاد غزة والإرهاب. وبغض النظر عن المسار النهائي للقضية، فإنها تكشف جانباً مهماً من الضغوط التي قد يتعرض لها رجال الأعمال الفلسطينيون عندما يعملون في بيئات سياسية شديدة الحساسية.

ومن المهم هنا اعتماد لغة دقيقة وموضوعية؛ فالدعاوى القضائية لا تعني الإدانة، والاتهامات تحتاج إلى إثبات أمام القضاء. وفي المقابل، من حق الرأي العام مناقشة العلاقة بين رأس المال الفلسطيني والسياسة، ومعايير الحوكمة، ومصادر التمويل، وأثر المشاريع على المجتمع. الموضوعية تقتضي عدم تحويل رجال الأعمال إلى رموز معصومة من النقد، لكنها تقتضي أيضاً عدم إهدار قيمة ما يقدّمونه من مساهمة تنموية حقيقية في ظروف استثنائية.

القطاع الخاص الوطني: شريك التنمية لا بديل عن الحقوق السياسية

إن رجال الأعمال الشرفاء في المجتمعات التي تمر بأزمات لا يؤدّون دوراً اقتصادياً فحسب، بل يضطلعون بوظيفة وطنية واجتماعية؛ فهم يخلقون الوظائف، ويدعمون سلاسل الإنتاج، ويفتحون الأسواق، ويمنحون الشباب فرصاً للتعلم والعمل، ويساعدون على بناء مؤسسات قادرة على البقاء. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، يصبح الاستثمار المحلي جزءاً من معركة أوسع للحفاظ على المجتمع وتقوية قدرته على الصمود وتقليل اعتماده على الخارج.

ولا يعني ذلك أن التنمية الاقتصادية بديل عن الحقوق السياسية، أو أن الاستثمار يمكن أن يحل محل النضال من أجل الحرية والعدالة؛ فهذه معادلة غير صحيحة. التنمية ليست بديلاً عن الحقوق، لكنها أحد أعمدة الصمود الضرورية لحماية المجتمع من التفكك والانهاك. فالاقتصاد القوي لا يُلغي السياسة، لكنه يمنحها قاعدةً اجتماعية أكثر صلابة.

إعادة النظر في العلاقة بين الاقتصاد والمشروع الوطني الفلسطيني

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في العلاقة بين الاقتصاد والمشروع الوطني الفلسطيني؛ فالقطاع الخاص، عندما يلتزم بالشفافية والمسؤولية الاجتماعية، يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في بناء المستقبل. كما أن رجال الأعمال، عندما يوجّهون استثماراتهم نحو التشغيل، والتعليم، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والإنتاج، يصبحون جزءاً من منظومة وطنية أوسع، لا مجرد أصحاب مصالح تجارية.

لقد أثبتت التجارب التنموية في فلسطين أن كل فرصة عمل جديدة تعني أسرةً أكثر استقراراً، وكل مشروع إنتاجي يفتح نافذة أمل، وكل استثمار ناجح يُرسل رسالةً بأن الفلسطينيين قادرون على البناء كما هم قادرون على الصمود. وهذه الرسالة تزداد أهميةً في زمن تتراجع فيه المؤشرات الاقتصادية، وتتسع فيه الحاجة إلى نماذج عملية تمنح المجتمع ثقةً بإمكانية النهوض.

في النهاية، قد يختلف الناس حول الأشخاص أو الخيارات أو الأساليب، وقد يختلفون في تقييم تجربة بشار المصري أو غيره من رجال الأعمال الفلسطينيين. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن المجتمعات لا تصمد بالشعارات وحدها، ولا تُبنى الأوطان بالخطابات فقط؛ فالأوطان تحتاج إلى مؤسسات، وفرص عمل، واستثمار، وتعليم، وبنية تحتية، وقطاع خاص وطني يتحمّل مسؤوليته في أصعب الظروف.

ومن هذا المنطلق، فإن دعم رجال الأعمال الشرفاء لا يعني إغلاق باب النقد، بل يعني إنصاف من يحاولون البناء وسط العواصف. فالمطلوب ليس تمجيد الأفراد، بل حماية فكرة التنمية ذاتها، وتشجيع كل جهد اقتصادي نزيه يُسهم في بناء الإنسان، وتثبيت المجتمع، ودفع عجلة الاقتصاد الوطني إلى الأمام. ففي فلسطين، كما في كل وطن يواجه تحديات كبرى، يصبح البناء فعلاً من أفعال الصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews