
الحسن سنداني
عاد ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب بعد سلسلة من الوقائع التي أثارت استياءً واسعًا في صفوف المواطنين، وأعادت طرح أسئلة ملحة حول حدود التوازن بين المقاربة الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار.
ففي إحدى الحوادث التي هزت الرأي العام، تداول مواطنون مقاطع توثق محاولة مهاجر من دول إفريقيا جنوب الصحراء الاعتداء على امرأة في واضحة النهار، في مشهد خلف حالة من الصدمة والاستنكار. ولولا التدخل الشجاع لأحد المواطنين المغاربة الذي هبّ لنجدتها في الوقت المناسب، لكانت الواقعة قد أخذت منحى أكثر خطورة. وقد أعادت هذه الحادثة إلى الواجهة مطالب تشديد المراقبة والتعامل بحزم مع كل السلوكات التي تهدد سلامة المواطنين.
ولم تمض سوى أيام حتى استيقظ المغاربة على حادثة أخرى أكثر غرابة وخطورة، بعدما أقدم مهاجر غير نظامي بمدينة مراكش على الاستيلاء على سيارة تابعة للشرطة والانطلاق بها في الشارع العام، متسببًا في حالة استنفار أمني واسعة. وكادت الواقعة أن تتحول إلى كارثة حقيقية تهدد سلامة مستعملي الطريق لولا الألطاف الإلهية والتدخل السريع للعناصر الأمنية التي تمكنت من السيطرة على الوضع.
هذه الأحداث، وغيرها من الوقائع التي تعرفها بعض المدن المغربية بين الفينة والأخرى، دفعت جزءًا من الرأي العام إلى التعبير عن مخاوفه من تنامي بعض مظاهر الانفلات المرتبطة بفئة من المهاجرين غير النظاميين. ورغم أن المسؤولية الجنائية تبقى فردية ولا يجوز تعميمها على جميع المهاجرين، فإن تكرار مثل هذه الحوادث يفرض نقاشًا جديًا حول فعالية السياسات المتبعة في تدبير هذا الملف الحساس.
ويؤكد متتبعون أن المغرب، الذي راكم تجربة رائدة في مجال تدبير قضايا الهجرة وفق مقاربة إنسانية تحظى بإشادة دولية، أصبح مطالبًا اليوم بتطوير آليات أكثر نجاعة لمواجهة التحديات الأمنية والاجتماعية المصاحبة لهذه الظاهرة، خاصة في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء وتحول المملكة من بلد عبور إلى بلد استقرار بالنسبة لعدد كبير منهم.
فأمن المواطن المغربي يظل أولوية لا تقبل المساومة، كما أن احترام حقوق الإنسان لا يعني التساهل مع كل من يخرق القانون أو يهدد سلامة الأفراد والممتلكات. لذلك فإن المرحلة الحالية تقتضي مقاربة متوازنة تجمع بين الحزم في تطبيق القانون والحفاظ على البعد الإنساني الذي ميز التجربة المغربية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل أصبحت السياسات الحالية قادرة على استيعاب التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الهجرة، أم أن الوقت قد حان لمراجعة شاملة تضمن حماية الأمن العام وصيانة الاستقرار الاجتماعي دون التفريط في الالتزامات الإنسانية للمملكة؟



