أخبارتقارير و تحقيقات

من حكم الإخوان إلى حكم الجيش: كيف تعاملت إسرائيل مع مصر بين مرسي والسيسي؟

مساحة اعلانية 4

قراءة في كتاب «مصر أولًا وإلى الأبد» للعقيد الإسرائيلي المتقاعد دافيد حاخام

ترجمة وتحرير: أبوبكر إبراهيم أوغلو

بعد سنوات طويلة من تراجع الدور المصري في المنطقة، تسعى القاهرة إلى العودة مجددًا إلى صدارة العالم العربي. وفي مقابلة مطولة مع صحيفة مكور ريشون العبرية، يقدّم العقيد احتياط دافيد حاخام، الذي عايش عن قرب صعود وسقوط عدد من حكام مصر، قراءة من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لما يراه مهمًا بالنسبة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما يعتقد أن على إسرائيل ألا تتنازل عنه في علاقتها مع القاهرة.

وتأتي المقابلة بمناسبة صدور كتاب حاخام الجديد «مصر أولًا وإلى الأبد»، الذي يتناول تطور العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية، ودور مصر في ملفات غزة وحماس، واتفاق السلام، والتحولات التي أعقبت سقوط نظام حسني مبارك وصعود محمد مرسي ثم عبد الفتاح السيسي.


لقاء بعد إطاحة مرسي بثلاثة أيام

حين حُدد موعد لقاء العقيد احتياط دافيد حاخام مع وزير الدفاع المصري، لم يكن يتخيل حجم الدراما التي ستشهدها مصر، ولا الدور المركزي الذي سيلعبه الرجل الذي سيجلس أمامه.

كانت تلك أيام حكم محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، الذي انتُخب رئيسًا لمصر قبل نحو عام. وكان من المقرر أن يُعقد اللقاء بين مسؤولين في وزارة الدفاع المصرية، وبين رئيس الهيئة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك اللواء احتياط عاموس جلعاد، ومستشار وزير الدفاع للشؤون العربية العقيد احتياط دافيد حاخام، في السادس من يوليو/تموز 2013.

لكن في الثالث من يوليو/تموز وقع التحرك العسكري السريع في مصر، وقاده وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة عبد الفتاح السيسي، الذي أصبح منذ تلك اللحظة الحاكم الفعلي للبلاد.

وعندما وصل ممثلو وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى مقر المخابرات المصرية في القاهرة، وجدوا أمامهم الرجل الأقوى في مصر منذ ذلك التاريخ.

يقول حاخام:
«أنا أتحدث عن لقاء عُقد بعد ثلاثة أيام فقط من بدء تحرك السيسي، الذي انتهى باعتقال الرئيس وسجنه. في تلك اللحظة الحساسة للغاية، التقينا بشخص أصبح الحاكم الفعلي لمصر. كان السيسي شديد التأمل، وكانت آثار أحداث الأيام السابقة واضحة على وجهه. كانت الإطاحة بمرسي خطوة محسوبة، لم تُنفذ إلا بعدما هيّأ الجيش الرأي العام لها، لكن كان واضحًا في اللقاء أن السيسي ما زال يستوعب حجم المسؤولية التي باتت على عاتقه. كان منغلقًا على نفسه، هادئًا على نحو غير معتاد، وكان يمكن أن ترى في عينيه التساؤلات التي تشغله. لقد أدخل مصر إلى مرحلة جديدة، إلى عهد جديد».

ويضيف حاخام أن السيسي لم يكن في ذلك الوقت رئيسًا رسميًا للبلاد. فعندما أُطيح بمرسي، لم يتولَّ المنصب مباشرة، بل عيّن رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا. وبعد نحو عام جرت الانتخابات، وأصبح السيسي رئيسًا لمصر.

ومع ذلك، يقول حاخام إن لحظة إطاحة مرسي كشفت أن السيسي أدرك أن مسؤولية مصير مصر أصبحت تقع على عاتقه أولًا وقبل كل شيء. فقد كان سيد الموقف، لأنه يقود المؤسسة الأهم والأقوى في الحياة المصرية: الجيش والقوات المسلحة.

ويتابع:
«لن أنسى ذلك اللقاء أبدًا. كان السيسي مقتضبًا في كلامه، لكننا سمعنا منه في الوقت نفسه تأملات ورؤى لافتة».


السيسي وعبد الناصر

بحسب تقدير حاخام، لم تكن لدى السيسي في البداية خطة واضحة للوصول إلى رئاسة مصر، وإن كانت بعض الإشارات المبكرة يمكن أن تُقرأ في مشاهد من طفولته.

يقول:
«هناك صورة للسيسي محفورة في ذاكرتي: طفل صغير يقف وينظر إلى الرئيس جمال عبد الناصر. كان عبد الناصر بالنسبة إليه رجلًا عظيمًا، شخصية رفيعة ورمزًا لمصر في الخمسينيات والستينيات. في نظر السيسي، كان عبد الناصر نموذجًا ومصدرًا للفخر، وممثلًا للوطنية المصرية والقومية والكرامة».

ويرى حاخام أن هذه الصورة تلخص تعقيدات التاريخ ومساراته المتعرجة، لكنه يؤكد أنه عندما يُسأل عمّا إذا كان السيسي يطمح منذ البداية إلى الرئاسة، فإن إجابته تكون بالنفي.

ويضيف:
«عندما التقيته، كان من الصعب عليّ أن أتخيله رئيسًا. فقد حكم مصر قادة يمتلكون قدرة خطابية استثنائية، مثل عبد الناصر والسادات ومبارك. أما السيسي فكان يبدو أقرب إلى نموذج الرجل الذي يعمل من خلف الأدوات، رجل إدارة وبيروقراطية، وأقل قدرة على جذب الجماهير. صحيح أنه تطور منذ ذلك الوقت في خطاباته العامة، لكن من الواجب الإقرار بأنه نجح في البقاء أكثر من عشر سنوات رئيسًا لبلد صعب».


من هو دافيد حاخام؟

كان لقاء حاخام مع السيسي واحدًا من لقاءات عديدة عقدها مع مسؤولين كبار في دول عربية عمومًا، وفي مصر خصوصًا.

حاخام، البالغ من العمر 75 عامًا، متزوج وأب لثلاثة أبناء، ويقيم في منطقة ريعوت. خدم في الجيش الإسرائيلي في عدة مناصب داخل جهاز الاستخبارات ودائرة التخطيط، مستفيدًا من دراسته في مجال الاستشراق، ثم أُعير إلى جهاز الموساد لمدة خمس سنوات. وبعد ذلك عاد إلى الجيش الإسرائيلي، وعمل مستشارًا سياسيًا لمنسق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية.

وقبل مؤتمر مدريد، شارك حاخام في اتصالات هدفت إلى إطلاق مفاوضات مع القيادة الفلسطينية المحلية في الضفة الغربية. وفي تسعينيات القرن الماضي، تولى التحقيق مع الشيخ أحمد ياسين في قضيتين تتعلقان بخطف إسرائيليين، هما ضابط شرطة الحدود نسيم توليدانو والجندي نحشون فاكسمان.

أما معظم خبرته في الساحة المصرية، فاكتسبها خلال عمله مستشارًا للشؤون العربية لدى عدد من وزراء الدفاع الإسرائيليين، من بينهم إسحاق مردخاي، وموشيه أرينس، وإيهود باراك، وبنيامين بن إليعازر، وشاؤول موفاز، وعمير بيرتس، ثم إيهود باراك مجددًا.

وفي هذا الموقع كان حاخام مسؤولًا، من بين ملفات أخرى، عن إدارة جزء كبير من علاقات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مع نظيراتها في الأردن ومصر، وهو ما تطلب منه معرفة واسعة بهاتين الدولتين الجارتين لإسرائيل.


مصر بين الطموح الإقليمي والأزمات الداخلية

يرى حاخام أن مصر تعاني مما يسميه «ازدواجية في الشخصية». فمن جهة، ترغب في استعادة مكانتها كقائدة للعالم العربي، ومن جهة أخرى تواجه مشكلات داخلية عميقة تهدد قدرتها على العمل كدولة طبيعية.

ويقول:
«المشكلة الأولى والأهم هي حجم السكان. يبلغ عدد سكان مصر اليوم أكثر من 115 مليون نسمة، والزيادة السكانية هائلة. في القاهرة وحدها يعيش أكثر من عشرة ملايين شخص. إنها مدينة ضخمة، وليس كل سكانها يعيشون حياة كريمة. نحن أمام كتلة سكانية هائلة تتدهور أوضاعها الاقتصادية باستمرار، إضافة إلى صعوبة السيطرة على بلد واسع المساحة. هذا تحدٍّ كبير أمام أي شخص يريد قيادة هذا البلد».

ويضيف حاخام إلى ذلك التحدي السياسي الذي يواجه النظام المصري الحالي، قائلًا إن المعارضة بقيادة جماعة الإخوان المسلمين ما زالت قائمة، رغم القمع المنهجي والعنيف الذي تعرضت له.

ويتابع:
«في البداية كان التأييد الشعبي للسيسي هائلًا، لكننا نرى مع مرور الوقت تراجعًا وضعفًا في هذا الجانب. الوعود التي قُطعت لم تتحقق. صحيح أن هناك صعوبات موضوعية، لكن المواطن المصري العادي لا يهتم كثيرًا بهذه التفسيرات. السيسي الآن في ولايته الثالثة، والمواطن الذي كان يأمل في رؤية تغيير ويعتقد أن مصر على وشك الانطلاق نحو مرحلة جديدة من الازدهار، لا يرى ذلك يحدث».

ويضيف أن مصر اليوم لا تستطيع، في تقديره، توفير الغذاء لجميع سكانها من دون مساعدات اقتصادية خارجية، خاصة من السعودية، وهو أمر يؤثر بشدة في وضعها الاستراتيجي ومكانتها الإقليمية.

ويخلص إلى أن استقرار الدولة المصرية واستقرار النظام مرتبطان بقدرة الحكم على توفير الغذاء للشعب، وأن تحسين الوضع الاقتصادي هو مفتاح استمرار النظام، وهو أمر يدركه السيسي جيدًا.


أموال من أمريكا ومفاعل من روسيا

ينتقل حاخام بعد ذلك إلى الحديث عن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. ويحرص في البداية على توضيح أن المصريين ليسوا من محبي إسرائيل.

يقول:
«المذبحة الرهيبة التي وقعت في السابع من أكتوبر لم تؤثر فيهم عاطفيًا. هم لم يرغبوا في حدوثها، خصوصًا بسبب عواقبها، لكن من المهم ألا نخدع أنفسنا: إسرائيل تُعد عاملًا إشكاليًا جدًا في نظرهم».

ومع ذلك، يرى حاخام أن لدى النظام المصري مصلحة واضحة في الحفاظ على اتفاقية السلام، وذلك جزئيًا بسبب الصراع الداخلي الصعب الذي يخوضه مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تعد حماس، في نظره، امتدادًا لها.

ويقول:
«خلال لقاءاتي مع جهاز المخابرات العامة المصري، شعرت أنهم يكرهون حماس بقدر ما نكرهها نحن. ولهذا السبب لا يذرفون دمعة واحدة عندما تضرب إسرائيل حماس وتلحق بها الضرر».


هل يمكن الوثوق بتمسك مصر بالسلام؟

وعندما يُسأل حاخام عن مدى إمكانية الوثوق بمصلحة مصر في الالتزام باتفاقية السلام، وهل ينبغي لإسرائيل أن تقلق من تسلح مصر، يجيب:

«في الوقت الراهن، تقوم سياسة المصريين وفهمهم ورؤيتهم على أن لديهم مصلحة واضحة في استمرار اتفاقية السلام وعدم العودة إلى حالة الحرب. لكن يجب أن نتذكر أن لا شيء في الحياة دائم، وأن كل شيء قابل للتغيير».

ويضيف:
«من المهم أيضًا أن نفهم أن السلام بين إسرائيل ومصر ليس مثل السلام بين لوكسمبورغ وفرنسا. سلامنا جزئي، محدود، وليس سلامًا كاملًا. العلاقات الجيدة بين إسرائيل ومصر تكاد تقتصر على مستوى التعاون العسكري والأمني المطلوب بين البلدين».

ويشير إلى أن العلاقات السياسية والاقتصادية تكاد تكون معدومة، باستثناء اتفاقية الغاز، وهي أيضًا اتفاقية بين حكومتين جرت بوساطة أمريكية. أما العلاقات الشعبية بين إسرائيل ومصر فهي غير موجودة تقريبًا، وكذلك الروابط الاقتصادية الواسعة.

ويفسر ذلك بأن الشارع المصري لا يظهر، على أقل تقدير، تعاطفًا كبيرًا مع إسرائيل، وأن المناخ العام هناك معادٍ لها.


سياسة الحذر والاحترام

يرى حاخام أن هذا الواقع يفرض على إسرائيل اتباع سياسة تقوم على الاحترام والحذر.

ويقول:
«من جهة، يجب الحفاظ على اتفاق السلام قدر الإمكان. أعتقد أنه أحد أعظم إنجازات مناحيم بيغن. حتى لو كان هذا السلام جزئيًا ومحدودًا، فإنه يلبي حاجة استراتيجية وأمنية وسياسية لإسرائيل، ويسمح لها بتوجيه مواردها إلى تحديات أخرى».

ويضيف أن الاتفاق مع مصر سهّل على إسرائيل القتال في جبهات أخرى، بينما بقيت الجبهة الجنوبية هادئة إلى حد كبير، بل شبه كاملة الهدوء. صحيح أن حوادث وقعت في هذه الجبهة، لكنها تبقى استثنائية جدًا، ويستشهد في هذا السياق بالهجوم الذي وقع في يونيو/حزيران 2023، عندما تسلل شرطي مصري إلى الأراضي الإسرائيلية وقتل جنديين ومجندة.

ويتابع:
«من جهة أخرى، يجب أن نكون في حالة يقظة دائمة، وأن نضمن وفاء مصر بالتزاماتها. هذه قضية حساسة للغاية، لكن لا يجوز السماح بأي انتهاكات جسيمة تحت أي ظرف. لا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، وإلى أين ستتجه الأمور، لذلك على إسرائيل الحفاظ على قدراتها في المراقبة والاستخبارات حتى تعرف ما يجري في مصر، وألا تتفاجأ بأي حال من الأحوال».


سيناء والملحق العسكري لاتفاق السلام

يشير حاخام إلى أن إسرائيل تعاملت سابقًا مع انتهاكات مصرية، ونجحت في إعادة القاهرة إلى الالتزام بالاتفاق. وفي الوقت نفسه، سمحت إسرائيل باستثناءات محدودة ومتفق عليها، كان هدفها تمكين المصريين من التعامل مع التنظيمات الإسلامية المسلحة في سيناء.

ويقول:
«لا شك أننا بحاجة إلى الانتباه إلى الحشد العسكري المصري. هذه القضية طُرحت في عهد مبارك، في محادثاتنا مع وزير دفاعه آنذاك محمد طنطاوي. وفي إطار الحوار الاستراتيجي، أثرنا مسألة الحشد العسكري وذكّرنا المصريين بالتزامهم بوقف انتهاكات الملحق العسكري لاتفاق السلام. هذه أمور طُرحت آنذاك، وتكررت منذ ذلك الوقت».

ويضيف أن دبابات وقوات مشاة مصرية نُشرت في سيناء عام 2012، وأن الجانب الإسرائيلي أصر خلال محادثاته مع السيسي على إلغاء هذا الأمر، وقد تم ذلك في نهاية المطاف.

ويتابع:
«حتى في السنوات الأخيرة، وبالتأكيد خلال عامي الحرب، شهدنا انتهاكات للاتفاقية في سيناء. لا أعرف إن كان ينبغي وصفها كلها بالانتهاكات الجسيمة، إذ يجب التمييز بين ما يمكن التعايش معه وبين الانتهاكات الكبرى التي لا يجوز بأي حال السماح بأن تصبح أمرًا واقعًا».

ومن بين ما يذكره حاخام، استنادًا إلى مصادر مفتوحة، توسيع مدارج طائرات، وبناء أنفاق تحت الأرض يمكن استخدامها كمخازن للأسلحة، وإنشاء طرق أسفل قناة السويس، وبناء جسور يمكن استخدامها لعبور القوات، فضلًا عن انتشار غير معتاد للدبابات.

ويقول:
«على إسرائيل أن تجري حوارًا مع الجانب المصري حول كل ذلك، وربما يكون هذا الحوار قائمًا بالفعل. من واقع خبرتي، أعتقد أن هذا النوع من الحوار يجب أن يتم سرًا، عبر قنوات اتصال وحوار هادئة، لا في أجواء صاخبة وعلنية».


واشنطن بوصفها ورقة ضغط

في هذا السياق، يشير حاخام إلى علاقة أخرى تمنح إسرائيل هامش تأثير، وهي العلاقة الأمريكية المصرية.

ويقول إن مصر تتلقى مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار سنويًا، وإن هذه العلاقة مهمة جدًا بالنسبة إليها. لكنه يلفت إلى أن السيسي سعى خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع علاقاته، ومن ذلك استعانته بروسيا في بناء المفاعل النووي في الضبعة، وهو تطور يرى حاخام أن على إسرائيل مراقبته عن قرب.

ويضيف أن الأمريكيين ينظرون إلى مصر باعتبارها مركز نفوذ في الشرق الأوسط، وفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عمومًا، وأن لديهم القدرة على الضغط على الجانب المصري.

ويتابع:
«عندما تقع انتهاكات، تتحرك إسرائيل مع المصريين على المستوى الثنائي. قبل بضعة أشهر فقط، زار وفد أمني إسرائيلي القاهرة لمناقشة هذه القضايا، من بين ملفات أخرى. وفي الوقت نفسه، تستفيد إسرائيل من الخدمات الجيدة التي تقدمها الولايات المتحدة، لكي تستخدم واشنطن بدورها نفوذها».


غزة والتوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية

يرى حاخام أن حرب «السيوف الحديدية» ألقت بظلالها على العلاقات الإسرائيلية المصرية، لكنه يعتقد أن كثيرًا من التصريحات التي صدرت في إسرائيل والولايات المتحدة ساهمت أيضًا في تفاقم الوضع.

ويقول:
«خلال فترة عملي، تمكنا من الوصول إلى حوار استراتيجي حقيقي مع المصريين، حوار معمق كانت المؤسسة الأمنية تحلم به لسنوات. جرى هذا الحوار أساسًا بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2005، جزئيًا في ظل خطة فك الارتباط. وكان محور الحوار من الجانب المصري رئيس المخابرات العامة عمر سليمان، الذي زار إسرائيل مرات عديدة خلال تلك الفترة. لم أعد داخل المؤسسة الآن، لكنني آمل جدًا أن يكون هذا الحوار مستمرًا».

ويضيف أن العلاقات شهدت تدهورًا ملحوظًا خلال العامين والنصف الماضيين، لكنه يشدد على أن التراجع لم يبدأ مع الحرب وحدها، بل سبقها.

ويقول إن السيسي ونتنياهو لم يتحدثا لسنوات عديدة، رغم وجود حوارات سابقة بينهما شهدها هو بنفسه.


نقل الفلسطينيين: خط أحمر مصري

يرى حاخام أن أحد أسباب التوتر غير المبرر بين البلدين كان ملف نقل الفلسطينيين من غزة.

ويقول إن خطة ترامب تضمنت ضرورة إخراج الفلسطينيين من غزة، سواء إلى الجانب المصري والبقاء هناك، أو المرور منه إلى أماكن أخرى. وقد عارض المصريون هذا الأمر بشدة، بل عقدوا قمة عربية أصدرت قرارات ضد فكرة النقل.

ويقول إن الأمر كان بالنسبة إلى المصريين خطًا أحمر. وينقل عن السيسي قوله في هذا السياق:
«إذا كنتم لا تريدون الفلسطينيين في غزة، فليذهبوا إلى النقب. أسكنوهم عندكم، لا في مصر».

ويؤكد حاخام أن هذه القضية تثير قلقًا شديدًا لدى المصريين.

ويضيف:
«أي محاولة لحل مشكلة غزة على حساب المصريين تثير لديهم توترًا وغضبًا شديدين، وعلينا أن ننتبه إلى ذلك. هناك بُعد قومي مصري هنا، يتمثل في المبدأ القائل إن الفلسطينيين هم مشكلة إسرائيل، لا مشكلة مصر. وإلى جانب ذلك، هناك قلق عملي من تداعيات دخول أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مصر».

ويشرح أن القيادة المصرية تخشى أن ينضم هؤلاء إلى صفوف المعارضة، أو إلى تنظيم داعش في سيناء، أو إلى جماعة الإخوان المسلمين، بما يشكل تهديدًا للأمن القومي المصري.

ويقول:
«يجب أن نكون حساسين تجاه هذا الأمر. ليس لأن المصريين يحبون الفلسطينيين، إطلاقًا، لكن القضية الفلسطينية بالنسبة إليهم وسيلة ضغط على إسرائيل. ولهذا يثير السيسي هذه القضية في كل لقاء ولا يتوقف عن طرحها».


«أنا والشيخ ياسين»

ينشر دافيد حاخام حاليًا كتابه الثاني بعنوان «مصر أولًا وإلى الأبد»، وهو كتاب يتناول العلاقات الإسرائيلية المصرية، وصدر ضمن تعاون بين دار مودان ووزارة الدفاع الإسرائيلية.

أما كتابه الأول، «غزة على مستوى النظر: نظرة على الانتفاضة من الداخل»، فقد وصف فيه وحلل بتوسع ما كان يجري في قطاع غزة. واستند ذلك الكتاب، من بين مصادر أخرى، إلى لقاءات حاخام ومعرفته الوثيقة بزعيم حماس الشيخ أحمد ياسين وزعيم حركة الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي، اللذين التقى بهما داخل السجن الإسرائيلي وخارجه في إطار مناصبه المختلفة في الجيش الإسرائيلي ومكاتب وزراء الدفاع.

كما كتب حاخام وثيقة موسعة عن الشيخ ياسين وحربه ضد إسرائيل، نُشرت ضمن سلسلة منشورات كرسي تشايكين في جامعة حيفا، وهي متاحة عبر الإنترنت.


لماذا كتب حاخام عن مصر؟

يقول حاخام إن كتابه الجديد جاء لسد فراغ في الكتابات الإسرائيلية عن مصر.

ويشرح:
«تحدثت مع أحد الأكاديميين، فقال لي إنه لم يصدر في إسرائيل منذ سنوات طويلة أي كتاب مهم عن مصر. لا شيء. كانت هناك مقالات متفرقة، لكن لم يُكتب كتاب شامل عن الموضوع. جعلني هذا الحديث أدرك أن هناك حاجة حقيقية، وأن لديّ ميزة على غيري من الكتّاب، وهي الاتصال المباشر بالمصريين وبمركز النشاط والقيادة لديهم، وبالشخصيات الرئيسية التي تدير شؤون مصر وترسم سياستها، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل. كما أن لديّ أسلوبًا مرنًا، لذلك تبنيت هذا الموضوع كمشروع».

ويضيف أنه كتب الكتاب في وقت قصير نسبيًا، كما فعل مع كتابه عن غزة، لكن عملية النشر نفسها استغرقت وقتًا طويلًا بعد انتهاء الكتابة.

ويقول إن جائحة كورونا أثرت في ذلك، فضلًا عن ضرورة الحصول على موافقات من جهات عدة، بينها مفوض الأمن في المؤسسة الدفاعية، والرقابة العسكرية، ولجنة وزارية. ويضيف أن وزارة الخارجية الإسرائيلية كانت أيضًا من الجهات التي «سببت مشكلات»، إذ حُذفت صفحات كثيرة من الكتاب لأنها لم تعجبها.


مضمون الكتاب

يقول حاخام إن الكتاب يتناول تطور العلاقات الإسرائيلية المصرية على مر السنين، والدور الذي لعبته مصر في مفهوم الأمن الإسرائيلي، وكذلك علاقات القاهرة بدول أخرى في المنطقة وانعكاساتها على إسرائيل.

ويضرب مثالًا بتطابق المصالح بين إسرائيل ومصر في معارضة البرنامج النووي الإيراني، معتبرًا أن هذه قضايا ينبغي للجمهور العام أن يعرفها، وأن يفهم من خلالها جوهر العلاقة مع الجارة الجنوبية الغربية لإسرائيل وأهميتها.


مبارك في سنواته الأخيرة

وعندما يُسأل عن الثورات والاضطرابات التي شهدتها مصر، وعن تقديره السابق بأن مبارك بلغ نهاية عهده، رغم أنه أخطأ في تحديد خليفته، يجيب حاخام:

«توصلت إلى هذا التقدير بعد أحد لقاءاتي مع مبارك، حين رافقت إيهود باراك خلال توليه منصب وزير الدفاع في حكومة نتنياهو الثانية. عُقد اللقاء في شرم الشيخ، في القصر الرئاسي. كان المكان جميلًا، وتطل النوافذ الكبيرة في القاعة على الخليج في مشهد مهيب».

ويضيف:
«أتذكر مبارك جالسًا هناك، وإلى جانبه المتحدثان الرئيسيان: عمر سليمان عن يمينه، ومحمد طنطاوي عن يساره. نظرت إلى مبارك ولاحظت علامات التقدم في السن. لا أريد أن أقول إن الشيخوخة سيطرت عليه تمامًا، لكنني رأيت رجلًا خاملًا ومرهقًا، إلى درجة أنه ترك عمر سليمان يطرح الكثير من القضايا».

ويقول إن قرب طنطاوي وسليمان من مبارك كان واضحًا، وكذلك دعمهما له وقبولهما بسلطته كرئيس، إذ عاملاه باحترام كبير.

ويتابع:
«بسبب الإرهاق الذي بدا على وجهه وفي حديثه، قدّرت أنه لن يستطيع الاستمرار طويلًا. وهذا ما حدث بالفعل. لكنني اعتقدت أن خليفته سيكون رئيس المخابرات عمر سليمان، الذي كان يُعتبر الرجل الثاني في القيادة المصرية، وفي النهاية لم يحدث ذلك».


مدى استقرار نظام السيسي

وعندما يُسأل عن انطباعه بشأن حكم السيسي اليوم، ومدى رسوخه واستقراره، يجيب حاخام:

«لا أعتقد أن السيسي متعب، بل على العكس تمامًا. من الواضح أنه منذ انتخابه رئيسًا وهو يتعلم دوره وكيفية التصرف. أرى تحسنًا في حضوره، فهو يتبنى مظهرًا أكثر رئاسية. كان ذلك طبيعيًا جدًا لدى مبارك والسادات وعبد الناصر بالطبع. أما مع السيسي فلم يكن طبيعيًا في البداية، لكنه بالتأكيد يتعلم».

ويضيف:
«يبدو النظام مستقرًا في الوقت الراهن، ولا أرى تهديدًا ملموسًا لوجوده. لكن علينا أن نكون واقعيين؛ فليس من الممكن دائمًا التنبؤ بالاضطرابات والتغيرات قبل وقوعها. لذلك لا ينبغي أن نفترض أبدًا أن الانطباع الخارجي يعكس الواقع كما هو. وكما قلت، علينا أن نتابع عن قرب كل ما يحدث، حتى لا نتفاجأ ولا نجد أنفسنا أمام خلل كبير في هذا المجال».


مصر وتراجع مكانتها العربية

وحول مدى إدراك مصر أنها لم تعد اليوم، خلافًا لمجدها السابق، الدولة القائدة في العالم العربي، يقول حاخام:

«أعتقد أنهم يدركون جيدًا تراجع دورهم. ما زالت مصر دولة محورية في نسيج الدول التي يمكن وصفها بالمعتدلة والبراغماتية، إلى جانب الأردن والسعودية والمغرب ودول الخليج. لكن مكانتها تتراجع بوضوح، وينعكس ذلك أيضًا في علاقاتها مع إسرائيل».

ويشير إلى أن المصريين كانوا لفترة طويلة الطرف الذي ينقل الرسائل ويتولى الوساطة بين إسرائيل وحماس في ملف قطاع غزة. ففي كل مفاوضات، وأثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، مثل «الرصاص المصبوب» و«عمود السحاب» و«الجرف الصامد»، وكذلك خلال الأحداث على الحدود، كانت مصر هي المحرك الرئيسي للوساطة بين الأطراف.

ويقول:
«أتذكر عمر سليمان وهو يدير هذه الملفات».

لكنه يضيف أن زمام المبادرة انتقل في مرحلة معينة إلى قطر، التي أصبحت الطرف الأكثر حضورًا في الوساطة. أما المصريون، بحسب حاخام، فيحاولون الآن العودة إلى دورهم الأصلي وترسيخ مكانتهم في العالم العربي من خلال دور الوسيط بين إسرائيل وحماس.

ويختم:
«إذا أثبتوا قدرتهم على تقديم الدعم المطلوب، فسيكتسبون أهمية ووزنًا في النظام العربي. ومع ذلك، ما دامت مصر قريبة من طاولة المفاوضات السعودية، فلن تعود إلى الموقع المركزي الذي كانت تحتله في السابق».


bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews