حرائق الجزائر تتراجع بعد أيام عصيبة.. والتحقيقات تبحث عن الأسباب

الجزائر – 30 أغسطس/أوت 2026
تتجه موجة حرائق الغابات والغطاء النباتي التي ضربت عددًا من الولايات الجزائرية، خصوصًا في شرق ووسط البلاد، نحو الانحسار بعد أيام من الانتشار الواسع للنيران، وسط استمرار عمليات الإخماد والمراقبة والتكفل بالمصابين والمتضررين، بالتوازي مع تحقيقات رسمية لمعرفة أسباب اندلاع الحرائق.
وأظهرت أحدث حصيلة للحماية المدنية، حتى الساعة الخامسة مساء الأحد 30 أغسطس/أوت، تسجيل 24 حريقًا مست الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية وواحات النخيل وأحزمة التبن، تمكنت فرق التدخل من إخماد 21 منها، بينما ظلت ثلاثة حرائق قيد المعالجة في ولايات سكيكدة وسطيف والمدية. ولم تتضمن الحصيلة في ذلك التوقيت أي حريق مصنف ضمن الحرائق المهمة.
من عشرات البؤر إلى ثلاثة حرائق
وتكشف الأرقام عن تراجع ملموس في حجم انتشار النيران مقارنة باليومين السابقين.
فخلال الفترة من 27 إلى 28 أغسطس، سجلت الحماية المدنية 174 حريقًا للغطاء النباتي خلال 24 ساعة، من بينها 67 حريق غابات و53 حريق أدغال و12 حريق أحراش، إلى جانب حرائق الأشجار المثمرة وأحزمة التبن والنخيل.
وفي الساعة السابعة من صباح الجمعة 28 أغسطس، كانت الفرق قد أخمدت 110 حرائق من أصل 174، بينما استمرت عمليات مكافحة 64 حريقًا، تركزت بصورة خاصة في جيجل وسكيكدة والطارف وقالمة وعنابة وبجاية.
كما أظهرت حصيلة مساء الخميس 27 أغسطس حجم الموجة في ذروتها، عندما سجلت مصالح الحماية المدنية 153 حريقًا حتى الساعة الثامنة مساءً، كان 67 منها لا يزال مشتعلًا، وتصدرت جيجل القائمة بـ17 حريقًا متواصلًا، تلتها الطارف وسكيكدة بعشرة حرائق في كل منهما.
وبحلول السبت، انخفضت الأعداد مجددًا، إذ أعلنت الحماية المدنية إخماد 36 حريقًا من أصل 47 حتى الخامسة مساء، مع بقاء 11 حريقًا موزعة على جيجل والطارف وسطيف والمسيلة وميلة.
ويعكس وصول عدد الحرائق المتواصلة إلى ثلاثة فقط مساء الأحد تغيرًا واضحًا في الوضع الميداني، وإن كانت فرق الإطفاء والسلطات المحلية لا تزال تتعامل مع خطر إعادة اشتعال بعض البؤر.

جيجل في قلب الموجة
كانت ولاية جيجل واحدة من أكثر المناطق تأثرًا بالموجة الأخيرة، سواء من حيث عدد بؤر الحريق أو التداعيات الإنسانية التي خلفتها.
وأعلنت السلطات، الأحد، تنفيذ عملية إجلاء جوي لـ14 شخصًا أصيبوا بحروق في جيجل إلى المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في الحروق الكبرى بوهران، بهدف توفير رعاية طبية متخصصة لهم.
كما عززت السلطات عمليات الإطفاء باستخدام الوسائل الجوية. ففي حصيلة الأحد المبكرة، أشارت الحماية المدنية إلى استمرار مكافحة حريق في منطقة صعبة المسلك ببلدية الولجة بولبلوط في سكيكدة، مع إشراك طائرتين للإطفاء من طراز AT-802.
وكانت وزارة الداخلية قد أكدت أيضًا استخدام طائرات AT-802 في جيجل وطائرة BE-200 في الطارف، إلى جانب القوات البشرية والآليات الأرضية، فيما شاركت وحدات من الجيش الوطني الشعبي والأجهزة الأمنية في دعم عمليات التدخل.
واضطرت السلطات في بعض المناطق إلى اتخاذ إجراءات وقائية شملت إجلاء مواطنين من المناطق المحاذية للنيران، بالتزامن مع استمرار عمل خلايا الأزمة ومتابعة الولاة للعمليات ميدانيًا.
حداد وطني على الضحايا
وحملت الحرائق بعدًا إنسانيًا ثقيلًا بعدما أعلنت السلطات وفاة عدد من المواطنين جراء النيران في عدد من ولايات وسط وشرق البلاد.
وفي أعقاب ذلك، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم الخميس 27 أغسطس حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام، تعبيرًا عن التضامن مع أسر الضحايا.
ومع استمرار علاج المصابين وعمليات حصر الأضرار، لم تتضمن أحدث البيانات الرسمية التي تمت مراجعتها حصيلة نهائية موحدة ومحدثة لجميع الوفيات والإصابات الناتجة عن الموجة، ما يجعل التعامل مع الأرقام المتداولة خارج المصادر الرسمية بحاجة إلى قدر كبير من الحذر.
لماذا اندلعت الحرائق؟
يبقى السؤال الأبرز متعلقًا بأسباب اندلاع هذا العدد الكبير من الحرائق خلال فترة زمنية متقاربة.
وأعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السعيد سعيود، خلال زيارته إلى جيجل في 27 أغسطس، عن فتح تحقيقات معمقة لمعرفة أسباب الحرائق.
وقال الوزير إن التحقيق يأتي بالنظر إلى «حجم وعدد الحرائق» التي اندلعت في ولايات عديدة وفي توقيتات متقاربة، مؤكدًا أن المصالح الأمنية ستتولى التحقيق في الظروف المحيطة بها.
وعليه، فإن الحديث عن وجود فعل متعمد أو مسؤولية جنائية عن الحرائق يظل في الوقت الراهن فرضية قيد التحقيق وليس حقيقة مثبتة، إلى حين إعلان الجهات المختصة نتائج التحقيقات.
معركة جوية وبرية
واعتمدت الجزائر في مواجهة الموجة على تعبئة واسعة شملت الحماية المدنية والسلطات المحلية والأجهزة الأمنية ووحدات الجيش، إلى جانب طائرات متخصصة في إخماد الحرائق.
ويكتسب التدخل الجوي أهمية خاصة في المناطق الجبلية والغابية الوعرة، حيث يصعب في بعض الأحيان وصول شاحنات وفرق الإطفاء الأرضية بسرعة إلى بؤر النيران.
كما ساهمت التحركات الوقائية وإجلاء السكان في بعض المناطق المهددة في تقليل المخاطر على التجمعات السكانية القريبة من مواقع الحرائق.
أزمة بيئية وإنسانية تتجاوز إخماد النيران
ومع تراجع الحرائق، تنتقل الأزمة تدريجيًا من مرحلة مكافحة ألسنة اللهب إلى مرحلة تقييم الخسائر؛ سواء في المساحات الغابية والمحاصيل الزراعية أو ممتلكات السكان والبنية المحلية.
كما تبرز الحاجة إلى تقييم الآثار البيئية طويلة المدى، خصوصًا في الولايات ذات الكثافة الغابية المرتفعة، إلى جانب تعويض المتضررين وإعادة تأهيل المناطق التي أصابتها النيران.
وتعيد هذه الموجة إلى الواجهة تحديات الوقاية من حرائق الغابات في الجزائر، بما يشمل أنظمة الإنذار المبكر، وصيانة المسالك داخل المناطق الغابية، وتعزيز قدرات التدخل الجوي، ومراقبة المناطق عالية الخطورة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح.
الوضع الآن
رغم المشاهد القاسية التي عاشتها عدة ولايات خلال الأيام الماضية، تشير الأرقام الأخيرة إلى أن الجزء الأكبر من موجة الحرائق أصبح تحت السيطرة.
فبين 174 حريقًا مسجلًا خلال 24 ساعة في ذروة الموجة، وثلاثة حرائق فقط ظلت قيد المعالجة حتى الخامسة من مساء الأحد، تبدو الجزائر أمام مرحلة جديدة من الأزمة عنوانها حصر الخسائر، علاج المصابين، مساعدة المتضررين ومعرفة الأسباب.
لكن انتهاء النيران وحده لن يغلق الملف.
فالتحقيقات الجارية ستحدد ما إذا كانت الموجة نتيجة تداخل عوامل طبيعية ومناخية وبشرية، أم أن بعض الحرائق ارتبط بأفعال متعمدة؛ وهي أسئلة ستظل مفتوحة إلى أن تقدم السلطات الجزائرية نتائج موثقة ونهائية.


