أخباررياضة

من صفقة الحقوق إلى أزمة قيادة.. هل اقتربت نهاية إنفانتينو في «فيفا»؟

لم تعد تداعيات محاولة بيع جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم محصورة في فشل صفقة استثمارية مثيرة للجدل، بل تحولت، اليوم الأحد 2 أغسطس/آب 2026، إلى أزمة ثقة مفتوحة تهدد مستقبل جياني إنفانتينو على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».

ورغم إعلان إنفانتينو التراجع عن المشروع، فإن موجة الاعتراض لم تتوقف، بل اتسعت لتشمل اتحادات قارية ومسؤولين رياضيين وسياسيين، وسط مطالب بإعادة النظر في آليات إدارة المؤسسة التي تتحكم في اللعبة الأكثر شعبية عالميًا.

مشروع بمليارات الدولارات

بدأت الأزمة بعد الكشف عن خطة تقضي بإنشاء كيان تجاري يتولى إدارة واستثمار حقوق أبرز بطولات «فيفا»، وفي مقدمتها كأس العالم، مع بيع حصة تبلغ نحو 20% لمستثمرين من القطاع الخاص.

وكان المشروع يستهدف جمع قرابة 4.2 مليارات دولار، لكنه أثار مخاوف واسعة من انتقال جزء من السيطرة على مستقبل المونديال إلى جهات استثمارية سيكون هدفها الأول تعظيم الأرباح.

ولم تتعلق الاعتراضات بالمقابل المالي وحده، وإنما بالطريقة التي دُفع بها المشروع إلى الأمام؛ إذ قال كلاوديوس شيفر، رئيس رابطة الدوريات الأوروبية المحترفة، إن مجلس «فيفا» نفسه لم يكن على علم بالخطة، معتبرًا أن تمرير مشروع بهذا الحجم بصورة منفردة يضع موقع إنفانتينو موضع تساؤل جدي. وتمثل الرابطة 53 دوريًا محترفًا للرجال والسيدات في أوروبا. رويترز

التراجع لم يُنهِ الأزمة

أعلن إنفانتينو، الجمعة، إسقاط المشروع بعد موجة اعتراضات قوية، لكن خصومه رأوا أن التراجع لا يلغي الأسئلة المرتبطة بالشفافية والحوكمة وطبيعة القرارات داخل الاتحاد الدولي.

فقد أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» فقدان الثقة في قيادة «فيفا». كما عارض الاتحاد الآسيوي المشروع، بينما كانت الاتحادات الأوروبية الـ55 قد اتفقت على التلويح بمقاطعة كأس العالم وبقية مسابقات الاتحاد الدولي إذا استمرت الخطة. أسوشيتد برس

ويعني ذلك أن إنفانتينو نجح في إيقاف خطر المقاطعة مؤقتًا، لكنه لم يتمكن من استعادة الثقة التي فقدها خلال الأزمة.

ضغط متزايد على الرئيس

طالب شيفر بمحاسبة إنفانتينو، مشيرًا إلى أن المضي في صفقة تجارية كبرى من دون معرفة الهيئات المعنية يقود عادةً إلى نتيجة واحدة على مستوى المؤسسات، في إشارة واضحة إلى ضرورة مغادرته منصبه.

كما دعا جيم بويز، النائب السابق لرئيس «فيفا»، الاتحاد الدولي إلى إعادة بناء الثقة مع الجماهير والاتحادات، مؤكدًا أن تحويل بطولات كرة القدم إلى أصول استثمارية يتعارض مع طبيعة «فيفا» بوصفه مؤسسة غير ربحية يفترض أن تعمل على تطوير اللعبة. رويترز

وامتدت الانتقادات إلى خارج المؤسسات الرياضية، بعدما اعتبر رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام أن إنفانتينو لم يعد الشخص المناسب لقيادة كرة القدم العالمية، مؤكدًا أن إلغاء المشروع لا يكفي لإغلاق الملف وتجاهل ما حدث.

صراع حول ملكية كرة القدم

تكشف الأزمة عن خلاف يتجاوز مصير إنفانتينو، ويتمحور حول سؤال أكثر عمقًا: من يملك كرة القدم وعائداتها المستقبلية؟

ينظر «فيفا» إلى التوسع التجاري باعتباره وسيلة لزيادة الإيرادات وتمويل البطولات وبرامج تطوير اللعبة عالميًا. لكن الدوريات والأندية ترى أن بيع جزء من الحقوق المستقبلية لمستثمرين سيزيد الضغط لتحقيق أرباح أكبر، وقد يقود إلى استحداث مسابقات ومباريات إضافية.

وتخشى الدوريات الأوروبية تحديدًا من أن تكون الصفقة مقدمة لتوسيع الروزنامة الدولية المزدحمة أصلًا، على حساب البطولات المحلية وراحة اللاعبين. فكلما دخل مستثمر جديد باحث عن العائد، ازدادت الحاجة إلى مزيد من المباريات والرعايات والمنتجات التجارية.

ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الرفض بالدفاع عن موارد الاتحادات فقط، بل بحماية التوازن بين القيمة الرياضية لكرة القدم وقيمتها الاقتصادية.

هل يظهر منافس لإنفانتينو؟

تكتسب الأزمة أهمية أكبر مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لـ«فيفا»، المقرر إجراؤها في مارس/آذار 2027 بالعاصمة المغربية الرباط، فيما تنتهي مهلة تقديم المرشحين في 18 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وكان إنفانتينو يتجه نحو ولاية جديدة من دون منافسة حقيقية، لكن فقدان ثقة اتحادات مؤثرة قد يفتح الباب أمام ظهور مرشح منافس، أو تشكيل تحالف قاري يسعى إلى تغيير القيادة الحالية.

ومع ذلك، لا تزال إقالته أو هزيمته انتخابيًا مسألة معقدة؛ إذ يحتفظ بعلاقات واسعة داخل الاتحادات الوطنية، كما أن المعارضة الأوروبية وحدها لن تكون كافية من دون استقطاب دعم اتحادات من أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.

لذلك ستحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت موجة الغضب ستتحول إلى تحالف انتخابي منظم، أم ستتراجع بعد حصول الاتحادات المعارضة على ضمانات جديدة بشأن الشفافية وتوزيع الموارد.

أزمة حوكمة لا صفقة عابرة

قد يكون «فيفا» قد أغلق ملف بيع الحصة التجارية، لكنه لم يغلق الأزمة التي كشف عنها المشروع. فالمشكلة لم تعد في نسبة الـ20% أو قيمة الصفقة المقدرة بالمليارات، وإنما في الطريقة التي تُصنع بها القرارات داخل أكبر مؤسسة كروية في العالم.

أصبح إنفانتينو الآن أمام اختبارين متزامنين: استعادة الثقة داخل الاتحادات القارية، وإقناع عالم كرة القدم بأن مستقبل المونديال لن يُدار بمنطق الصفقات المغلقة.

وبينما انطلقت الدعوات لمراجعته ومحاسبته، يبدو أن المعركة المقبلة لن تدور داخل الملعب، بل في مكاتب الاتحادات واجتماعات التحالفات، وصولًا إلى انتخابات الرباط التي قد تتحول إلى واحدة من أكثر الانتخابات سخونة في تاريخ «فيفا».

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews