الإسلاميون في ليبيا أمام اختبار المراجعة: 15 عاماً بين فرصة الحكم وأزمة المشروع
بقلم: سعد أحمد سلامة

بقلم: سعد أحمد سلامة
بعد خمسة عشر عاماً على دخول الإسلاميين الليبيين ميدان العمل السياسي، لم يعد السؤال الأساسي متعلقاً بحجم حضورهم داخل مؤسسات الدولة، بقدر ما أصبح منصبّاً على حصيلة التجربة ذاتها: ماذا حققوا، وأين أخفقوا، وما الذي بقي من مشروعهم بعد سنوات طويلة من المشاركة في الحياة العامة؟
خلال هذه الفترة، لم يقتصر التغيير على تعاقب الحكومات والمبادرات الدولية، بل امتد إلى موازين القوة داخل ليبيا وخارجها، وإلى مواقع الفاعلين السياسيين وتحالفاتهم. فمن اتفاق الصخيرات إلى اجتماعات باريس وباليرمو وبرلين وجنيف، وصولاً إلى المبادرات المتداولة خلال الأشهر الماضية، ومنها المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، بدا أن المشهد الليبي يتحرك نحو إعادة توزيع النفوذ أكثر من تحركه نحو تسوية مستقرة ودائمة.
وسط هذه التحولات، يبرز سؤال أعمق من تفاصيل المبادرات نفسها: إلى أي موقع انتهى الإسلاميون الليبيون بعد خمسة عشر عاماً من التجربة؟ وهل ما يشهده حضورهم اليوم مجرد تراجع مؤقت تفرضه موازين القوى، أم أنه مؤشر إلى انتهاء مرحلة سياسية كاملة بما حملته من رهانات وخيارات؟
لا يمكن الإجابة عن ذلك بالاكتفاء بقراءة اللحظة الراهنة؛ فما يبدو اليوم من انحسار نفوذ بعض القوى لم يتشكل فجأة، بل جاء نتيجة مسار طويل تراكمت فيه النجاحات والإخفاقات، وتبدلت خلاله البيئة الداخلية والإقليمية. ومن بين القوى التي صعدت بعد عام 2011، كان التيار الإسلامي الأكثر ارتباطاً بهذا المسار؛ إذ استفاد بدرجة كبيرة من ظروف المرحلة الأولى، ثم أصبح لاحقاً من أكثر الأطراف تأثراً بتحولاتها.
وعليه، فإن فهم موقع الإسلاميين اليوم يبدأ من مراجعة الكيفية التي أداروا بها الفرصة التي أتيحت لهم عقب سقوط النظام السابق، لا من قراءة التحالفات الراهنة وحدها. فقد فتح انهيار النظام المجال أمام القوى الأكثر تنظيماً والأسرع حركة، وكانت المكونات الإسلامية من بين القلة التي امتلكت خبرة في العمل الجماعي، وشبكات من العلاقات الداخلية والخارجية، وقدرة على حشد الأنصار وتقديم خطاب سياسي جاهز، في وقت كانت فيه تيارات أخرى تعاني ضعفاً تنظيمياً واضحاً.
كما وفرت البيئة الإقليمية والدولية التي أعقبت الانتفاضات العربية قدراً من القبول والحماية السياسية للإسلاميين. وتعاملت عواصم غربية وعربية مع صعودهم بوصفه نتيجة متوقعة لانفتاح المجال العام بعد عقود من الإقصاء. وهكذا وجدت القوى الإسلامية الليبية نفسها، للمرة الأولى، أمام فرصة فعلية للمشاركة في الحكم، والتأثير في التشريعات، وإدارة المؤسسات، والمساهمة في رسم ملامح الدولة الجديدة.
غير أن حجم الفرصة التاريخية تجاوز، في أحيان كثيرة، قدرة العقل السياسي الإسلامي على إدارتها. فقد كشفت السنوات التالية صعوبة الانتقال من عقل الحركة إلى عقل الدولة، ومن خطاب المعارضة إلى مسؤوليات الحكم، ومن تنظيم الأنصار إلى إدارة مجتمع منقسم ومتعدد المصالح. وفي محطات عديدة، بدت القدرة على خوض الصراع أكبر من القدرة على بناء المؤسسات، كما طغى الاهتمام بحماية المواقع والنفوذ على بناء إدارة عامة مستقرة، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية خاضعة للقانون.
ولم تكن المشكلة محصورة في نقص الخبرة الفنية أو قلة الكفاءات، بل تمثلت أيضاً في غياب تصور سياسي متماسك لطبيعة الدولة المنشودة. فقد كثرت الشعارات المتصلة بالهوية والشريعة والثورة، بينما ظلت الإجابات العملية عن توزيع السلطة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وإدارة الموارد، وبناء الجيش والشرطة، وضمان الحريات العامة محدودة أو متناقضة. ولم يتبلور داخل التيار عقل سياسي قادر على الجمع بين المرجعية الأخلاقية ومتطلبات الدولة الحديثة، أو على الموازنة بين الثبات على المبادئ والتعامل الواقعي مع تعقيدات المجتمع الليبي.
ومن الأخطاء التي لم تنل حظها من المراجعة اتساع التداخل بين المجال الدعوي والعمل السياسي التنفيذي. فقد دفعت ظروف المرحلة ببعض الشخصيات التي استمدت مكانتها من حضورها الدعوي أو الرمزي إلى قلب الصراع السياسي، من دون أن تمتلك بالضرورة أدواته وخبراته ومنطقه المختلف. ولم يقتصر أثر ذلك على الأداء السياسي، بل أصاب أيضاً المكانة المعنوية لتلك الشخصيات بعدما أصبحت طرفاً في خصومات السياسة اليومية وتقلباتها. وبهذا خسر المجال السياسي كفاءات كان يحتاج إليها، فيما خسر المجال الدعوي جانباً من استقلاله ورصيده المعنوي.
وانعكس هذا القصور على البنية الداخلية للتيار. فعلى امتداد خمسة عشر عاماً، لم ينجح الإسلاميون الليبيون في إنتاج قيادة سياسية جامعة، أو مرجعية تحظى بقبول مكوناتهم المختلفة. برزت أسماء كثيرة، وتولت شخصيات محسوبة عليهم مواقع مؤثرة، لكن أياً منها لم يتحول إلى زعامة قادرة على تجاوز الدائرة التنظيمية الضيقة، أو على طرح مشروع وطني يخاطب الليبيين خارج البيئة الإسلامية التقليدية.
وبدلاً من ذلك، تراكمت الخلافات بين الجماعات والقيادات والشخصيات، واختلطت التباينات الفكرية بالمنافسة على المواقع والمصالح، حتى أصبح الفصل بين الخلاف على المبادئ والصراع على النفوذ أمراً بالغ الصعوبة. وفي بعض المراحل، بدت الانقسامات الداخلية أشد حدة من الخصومة مع القوى الأخرى. كما لم تُفضِ سنوات المشاركة في السلطة إلى بناء ثقافة سياسية مشتركة، بل أوجدت مراكز متعددة لكل منها علاقاتها وحساباتها وتحالفاتها.
وزاد طول المرحلة الانتقالية هذه الأزمة عمقاً. فالمؤسسات التي كان يُفترض أن تكون مؤقتة تحولت إلى مصادر للنفوذ والدخل والحماية، وأصبح استمرار الوضع الانتقالي مصلحة لفئات واسعة، بدلاً من أن يكون إنهاؤه هدفاً للقوى السياسية. ولم يكن الإسلاميون بعيدين عن هذا التحول؛ إذ انتقلت شخصيات منهم تدريجياً من العمل القائم على الفكرة والالتزام إلى إدارة المصالح والاستثمارات والعلاقات مع الحكومات ومراكز الإنفاق.
كذلك غادر عدد من القيادات البلاد، واستقر بعضهم في دول أخرى، بينما اتجه قسم منهم إلى التجارة وإدارة الأعمال أو النشاط الإعلامي والاستشاري. ومع مرور الوقت، فقد التيار جانباً من صلته المباشرة بقاعدته الاجتماعية. وأصبح حضور بعض قياداته أقرب إلى حضور شخصيات سياسية معروفة بفضل تجربتها السابقة، من دون قدرة حقيقية على قيادة حركة تمتلك مشروعاً متجدداً أو توسيع قاعدتها الشعبية.
في المقابل، لم تجد الأجيال التي دخلت المجال العام بعد عام 2011 في الأحزاب القائمة إطاراً حيوياً يتيح لها المشاركة والتدرج وإبراز قيادات جديدة، كما لم تجد مشروعاً سياسياً واضحاً يمكن أن تلتف حوله. واتسعت، مع الزمن، الفجوة بين القيادات التقليدية والشباب، فتراجعت قدرة التيار على تجديد بنيته وإنتاج وجوه تستطيع مواكبة التحولات التي شهدها المجتمع الليبي.
أما الخسارة الأشد خطراً فتمثلت في تآكل جزء من الرصيد الأخلاقي الذي كان أحد أهم مصادر قوة الإسلاميين. فقبل سقوط النظام، وخلال السنوات الأولى التي تلته، قدموا أنفسهم بوصفهم ضحايا للاستبداد وحملة مشروع إصلاحي يقوم على النزاهة والعدالة ومقاومة الفساد. لكن انخراط بعض الشخصيات المحسوبة عليهم في شبكات النفوذ والامتيازات، وصمت آخرين عن ممارسات واضحة داخل مؤسسات الدولة، أضعفا المسافة الأخلاقية بينهم وبين خصومهم.
وقد انعكس ذلك مباشرة على نظرة شريحة واسعة من الرأي العام؛ فلم يعد المواطن ينظر بالضرورة إلى الشخصية الإسلامية باعتبارها أكثر التزاماً أو أقل ميلاً إلى الانتفاع من المال العام. وهذه خسارة لا تعوضها المناصب أو التحالفات، لأن الحركات ذات المرجعية الأخلاقية تستمد جانباً كبيراً من قوتها من الثقة العامة. وعندما تتراجع هذه الثقة، يفقد الحضور السياسي قدرته على تقديم نفسه امتداداً لرسالة إصلاحية، ويتحول في نظر كثيرين إلى طرف آخر في سباق السلطة.
ولم تنفرد ليبيا بهذه التحولات؛ فقد ظهرت بدرجات مختلفة في تجارب حركات إسلامية أخرى في المنطقة. ففي مصر انتهت تجربة الوصول إلى الحكم بالخروج الكامل من السلطة، وأعيد تشكيل المجال السياسي وفق قواعد جديدة. وفي تونس انتقلت حركة النهضة من موقع القوة الأولى إلى وضع محدود التأثير، بعد سنوات من التنازلات والصراعات وسوء تقدير اتجاهات المجتمع والدولة.
وكان يفترض أن تدفع هذه النتائج الإسلاميين الليبيين إلى مراجعة واسعة تشمل الأفكار والتنظيم والقيادة والعلاقة بالمجتمع. لكن ما حدث كان أقرب إلى تعديلات جزئية فرضتها الحاجة إلى التكيف مع الواقع، لا إلى مراجعة جذرية للتجربة. تغيرت بعض الأسماء والخطابات، وأعيد ترتيب بعض التحالفات، من دون الاقتراب بجدية من الأسئلة الأساسية المتعلقة بالعلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين التنظيم والدولة، وبين الالتزام الأيديولوجي وحقوق المواطنين الذين لا يتبنون مرجعية الحركة.
كما استهلكت الخلافات حول الأشخاص والتحالفات ومواقع التمثيل داخل المؤسسات جانباً كبيراً من النقاش الداخلي، فيما لم يحظ السؤال الأهم بما يستحقه من مواجهة صريحة: لماذا أخفق الإسلاميون في تقديم نموذج حكم مقنع؟ ولم تظهر حتى الآن مراجعة مكتوبة وشاملة تعترف بالأخطاء، وتحدد المسؤوليات، وتوضح ما ينبغي تغييره في البناء الفكري والتنظيمي.
وتقود هذه المؤشرات إلى نتيجة يصعب تجاهلها: التحول في موقع الإسلاميين الليبيين لا يفسره عامل واحد، ولا يمكن رده فقط إلى مواقف الخصوم أو المبادرات الخارجية. فمنذ عام 2011، أُدير جانب كبير من المشهد الليبي عبر مبادرات وتسويات دولية تعاقبت بتعاقب الأزمات، وأصبحت الإطار الذي تُطرح من خلاله محاولات إعادة ترتيب السلطة والنفوذ.
ومع ذلك، فإن المبادرات الخارجية، مهما بلغ أثرها، لا تنشئ التحولات من فراغ؛ فهي تتعامل غالباً مع واقع سبقها، وقد تسرع مساره أكثر مما تصنعه. فقد ظهرت مؤشرات تراجع الإسلاميين قبل كثير من هذه المبادرات، مع ضعف حضورهم داخل مؤسسات الدولة، وتراجع علاقاتهم الإقليمية، وتفاقم انقساماتهم الداخلية، واتساع الفجوة بينهم وبين المجتمع. وأفقدهم ذلك جانباً مهماً من قدرتهم السابقة على فرض أنفسهم شريكاً لا يمكن تجاوزه.
ومع كل ذلك، لا يزال من المبكر إعلان نهاية الإسلام السياسي في ليبيا. فالحركات لا تختفي بمجرد خسارة مواقعها، والأفكار لا تنتهي بتراجع التنظيمات التي حملتها. وقد تستعيد بعض القوى حضورها إذا تغيرت الظروف، أو إذا نجحت في تجديد خطابها وقياداتها. غير أن أي عودة محتملة لن تتحقق بمجرد استحضار مظالم الماضي أو التعويل على العلاقات القديمة.
المطلوب مراجعة حقيقية تبدأ بالاعتراف بأن تجربة الأعوام الخمسة عشر لم تحقق ما كان مأمولاً منها، وأن الأخطاء لم تكن كلها من صنع الخصوم. كما تتطلب إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وفتح المجال أمام جيل جديد من القيادات، والفصل الواضح بين العمل الدعوي والعمل الحزبي، والانتقال من الدفاع عن التنظيم إلى الدفاع عن الدولة والقانون وحقوق المواطنين.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإسلاميين الليبيين اليوم لم يعد كيفية استعادة المواقع التي فقدوها، بل قدرتهم على إعادة تأسيس مشروعهم السياسي وفق قواعد تستوعب التحولات التي شهدتها ليبيا والمنطقة. فالتجارب السياسية لا تُقاس بطول البقاء في السلطة، وإنما بقدرتها على التجدد، واستخلاص الدروس، وإعادة إنتاج نفسها بما ينسجم مع واقع متغير.
تنويه: يعبّر هذا المقال عن رأي كاتبه.



