
خاص – مراسلين
على الطرق المؤدية إلى مدينة الخليل، لم تعد الحواجز العسكرية مجرد نقاط عبور مؤقتة، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي الذي يتحكم في حركة السكان وتفاصيل حياتهم. بوابات حديدية مغلقة، وسواتر ترابية، وحواجز إسمنتية، وأسلاك شائكة تقطع الطرق بين البلدات والقرى؛ فتتقلص المسافات جغرافيًا، بينما تتسع معاناة الفلسطينيين بفعل القيود المفروضة على تنقلهم.
في شمال محافظة الخليل، يتكرر المشهد في بلدة بيت أُمّر، حيث تحاصر المستوطنات الأراضي الزراعية، وتتمدد البؤر الاستيطانية على حساب المساحات التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم. وفي قلب مدينة الخليل، تقف البلدة القديمة شاهدة على واقع آخر من العزل والتضييق؛ إذ أغلقت عشرات المحال التجارية أبوابها بفعل الأوامر والإجراءات العسكرية، بينما يتمسك عدد محدود من التجار بفتح متاجرهم حفاظًا على الوجود الفلسطيني في المكان.
وخلال جولة ميدانية نظمتها نقابة الصحفيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بالتعاون مع حراك «حرية» ورابطة الصحفيين العرب ومركز «إعلام» في الداخل الفلسطيني، شارك صحفيون وإعلاميون ونشطاء ومسؤولون محليون في زيارة مدينة الخليل وبلدة بيت أُمّر والبلدة القديمة؛ للاطلاع عن قرب على آثار الإغلاقات العسكرية والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين في حياة الفلسطينيين.
واستمع المشاركون إلى شهادات رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري؛ ورئيس بلدية بيت أُمّر، محمد ألبو؛ ومدير مكتب هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين في محافظة الخليل، جهاد القواسمي؛ ورئيس مجلس العشائر في بيت أُمّر، حابس العلامي. وتناولت الشهادات واقع المدينة والبلدات المحيطة بها، وتداعيات الإجراءات الإسرائيلية في الاقتصاد والزراعة والحياة الاجتماعية.
الخليل.. مدينة تحاصرها البوابات العسكرية
تعيش مدينة الخليل حالة متزايدة من العزل، بفعل إغلاق معظم مداخلها الرئيسية، ما أدى إلى اختناق الحركة المرورية وتضرر النشاطين التجاري والصناعي في المدينة، التي تُعد العاصمة الاقتصادية للضفة الغربية.
وقال رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، إن معظم المداخل الرئيسية للمدينة مغلقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، موضحًا أن بوابة فرش الهوى تمثل المدخل الوحيد المفتوح بصورة دائمة، في حين تُفتح بوابات أخرى وتُغلق وفقًا للإجراءات العسكرية الإسرائيلية.
وتتحكم مجموعة من البوابات والحواجز في حركة المواطنين، من أبرزها بوابات فرش الهوى، ورأس الجورة، وحجاي، والفحص، والنبي يونس، والسموع، وزيف، وبيت عينون.
وأضاف الجعبري أن البلدية طالبت بإعادة فتح مداخل المدينة، إلا أن الجانب الإسرائيلي أبلغها بأن الإغلاقات تأتي في إطار «قرار سياسي». وأدت هذه الإجراءات إلى اضطرار المواطنين إلى استخدام طرق بديلة، وزيادة أوقات التنقل، وإلحاق أضرار مباشرة بالحركة الاقتصادية في المدينة.

بيت أُمّر.. حصار بين البوابات والمستوطنات
في بلدة بيت أُمّر، شمال الخليل، تتداخل آثار الإغلاق العسكري مع التوسع الاستيطاني؛ إذ تحيط بالبلدة مستوطنات كرمي تسور وبيت عين، إلى جانب تجمع مستوطنات غوش عتصيون، فضلًا عن إقامة بؤر استيطانية جديدة في محيطها.
وقال رئيس بلدية بيت أُمّر، محمد ألبو، إن عدد سكان البلدة يبلغ نحو 25 ألف نسمة، وكانت مساحتها تُقدّر سابقًا بنحو 33 ألف دونم. وأضاف أن عمليات مصادرة الأراضي المتواصلة لصالح توسيع مجمع «غوش عتصيون» الاستيطاني أدت إلى فقدان البلدة نحو 20 ألف دونم، لتتراجع المساحة المتاحة لها إلى قرابة 13 ألف دونم فقط.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه المستوطنات على حساب أراضي البلدة، يواجه السكان الفلسطينيون صعوبات كبيرة في تطوير مناطقهم العمرانية بسبب القيود المفروضة على البناء، ولا سيما أن الجزء الأكبر من الأراضي المتبقية يقع ضمن المنطقة المصنفة «ج»، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ويحذر مسؤولون محليون من أن هذه السياسات تستهدف ترسيخ السيطرة على الأرض، وفرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
الزراعة والمياه.. قيود تهدد مصادر الرزق
تمثل الزراعة شريان الحياة في بيت أُمّر، التي تشتهر بزراعة العنب، إلى جانب الخوخ والبرقوق والكرز والمشمش.
وقال رئيس مجلس العشائر في بيت أُمّر، حابس العلامي، إن القطاع الزراعي يواجه صعوبات متزايدة نتيجة مصادرة الأراضي والقيود المفروضة على مصادر المياه. وأوضح أن المياه لا تصل إلى بعض المناطق سوى ساعات محدودة أسبوعيًا، ما يؤثر في المزارعين والحياة اليومية للسكان.
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين من تطوير مصادر المياه، في وقت تحصل فيه المستوطنات على كميات أكبر، ما يجعل أزمة المياه أحد أبرز التحديات التي تهدد استمرار النشاط الزراعي في المنطقة.
البلدة القديمة.. محاولات لتغيير هوية المكان
تظهر آثار الإغلاقات بوضوح في البلدة القديمة بمدينة الخليل، حيث أغلقت معظم المحال التجارية المحيطة بالحرم الإبراهيمي أبوابها بسبب القيود العسكرية والإجراءات المفروضة على المنطقة.
وقال مدير مكتب هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين في محافظة الخليل، جهاد القواسمي، إن ما يجري في البلدة القديمة يمثل محاولة متواصلة لتغيير هوية المكان وتقويض الوجود الفلسطيني فيه، من خلال التضييق على السكان والتجار وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة، يواصل عدد محدود من أصحاب المحال فتح متاجرهم، باعتبار ذلك وسيلة للحفاظ على حضور فلسطيني حي في البلدة القديمة، وتأكيدًا لحقهم في البقاء بالمكان رغم القيود والخسائر.
الحرم الإبراهيمي.. قيود وتقسيم للمكان والزمان
يبقى الحرم الإبراهيمي في قلب المشهد بمدينة الخليل، في ظل استمرار القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إليه، إلى جانب إجراءات أحادية تمس واقعه التاريخي والقانوني.
وأوضح القواسمي أن الحرم يشهد استمرار سياسة التقسيم الزماني والمكاني، مع فرض قيود على حركة المصلين الفلسطينيين، بينما يُسمح للمستوطنين بالدخول وإقامة صلواتهم داخل أجزاء من المسجد خلال مناسباتهم الدينية.
اقتصاد الخليل تحت ضغط الإغلاقات
لم تقتصر آثار الحصار على الحركة اليومية للمواطنين، بل امتدت إلى قطاعات الاقتصاد والتجارة والصناعة والسياحة.
وقال جودي أبو أسنينة، النائب السابق لرئيس اتحاد رجال الأعمال في الخليل ومالك فندق ريجنسي الخليل، إن القيود المفروضة على الحركة أثرت في وصول الحجاج المسلمين والمسيحيين والزوار إلى المدينة، وانعكس ذلك على الفنادق والأسواق والقطاعات المرتبطة بالسياحة، رغم المكانة التي تحتفظ بها الخليل بوصفها مركزًا رئيسيًا للصناعة والتجارة الفلسطينية.
وأوضح أبو أسنينة أن بيت لحم والقدس تمثلان محطتين أساسيتين على مسار الحج المسيحي، فيما تشمل الرحلات الدينية أيضًا مدينة الخليل لما تتمتع به من مكانة دينية وتاريخية.
كما تحظى السياحة الدينية الإسلامية بأهمية مماثلة، ضمن تقليد يُعرف محليًا بـ«تقديس الحجّة»، إذ اعتاد حجاج من إندونيسيا وتركيا وقبرص، إلى جانب زوار من أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، زيارة القدس والخليل بعد أداء مناسك الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ولا يزال بعض الحجاج، ولا سيما القادمون من إندونيسيا وماليزيا، يحرصون على زيارة الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس والخليل، متى توفرت الظروف التي تسمح بذلك.
ويرى متابعون أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة من شأنه إعادة تنشيط السياحة الدينية الإسلامية والمسيحية، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بدرجة مهمة على هذا القطاع. ويعتقدون أن الطلب المتوقع في حال تحسن الأوضاع قد يكون كبيرًا، إلى درجة أن تحويل مزيد من المنازل إلى مرافق ضيافة أو فنادق ربما لا يكفي لاستيعاب أعداد الحجاج والزوار.
لكن الواقع السياسي والأمني الحالي يفرض قيودًا تحد من وصول الزوار والحجاج، مسلمين ومسيحيين، بمن فيهم القادمون من أوروبا والولايات المتحدة، إلى المواقع الدينية والسياحية.
وفي ظل تراجع السياحة الخارجية، أصبحت مدن الضفة الغربية تعتمد بصورة أساسية على السياحة الداخلية، سواء من سكان الضفة أو الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948. غير أن الإغلاقات والإجراءات العسكرية تعيق، في أحيان كثيرة، وصول الزوار، ولا سيما إلى مدينة الخليل، ما يحد من الحركة السياحية ويعمق الأضرار التي لحقت بالنشاط الاقتصادي.
صمود يحافظ على نبض المدينة
في الخليل، تتقاطع مشاهد الإغلاق والاستيطان مع صور الصمود اليومي: مزارع يتمسك بأرضه رغم تقلص المساحات وشح المياه، وتاجر يفتح متجره على الرغم من الخسائر، وسكان يحاولون حماية هوية مدينتهم والحفاظ على حضورهم فيها.
وبين البوابات العسكرية المغلقة والمستوطنات الآخذة في التوسع، تواصل الخليل مقاومة العزل، متمسكة بنبضها الاقتصادي والاجتماعي، وبحق سكانها في الأرض والحركة والحياة.


