اقتصاد

من الهند إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط.. دراسة تدعو IMEC للتعلم من الصين بدل إقصائها

أبوبكر إبراهيم أوغلو – مراسلين

بين مشروع صيني يمتد عبر عشرات الدول منذ أكثر من عقد، وممر جديد تسعى الولايات المتحدة والهند ودول خليجية وأوروبية إلى بنائه بين آسيا وأوروبا، تتشكل واحدة من أهم المنافسات الاقتصادية والجيوسياسية على طرق التجارة العالمية في الشرق الأوسط.

لكن دراسة إسرائيلية حديثة تطرح مقاربة مختلفة لهذه المنافسة: فبدل بناء الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا «IMEC» باعتباره نقيضًا لـمبادرة الحزام والطريق الصينية «BRI»، تدعو إلى دراسة التجربة الصينية والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها، بل وقبول قدر من المشاركة الصينية داخل شبكة التجارة الجديدة.

الدراسة التي أعدتها الباحثة غاليا لافي، رئيسة مشروع IMEC في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، ونشرت في 2 سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان قريب من «لا تبدأ من الصفر: التجربة الصينية كدرس لممر IMEC»، ترى أن أكثر من عشر سنوات من تطبيق مشروع الحزام والطريق تمنح الممر الجديد فرصة لتجنب أخطاء مكلفة سبق للصين أن مرت بها.

ما هو ممر IMEC؟

أُعلن الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر/أيلول 2023.

ووقعت مذكرة التفاهم الخاصة به كل من الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.

ويتكون المشروع، وفق التصور الأصلي، من مسارين رئيسيين: ممر شرقي يصل الهند بالخليج العربي عبر النقل البحري، ثم ممر شمالي يعتمد بصورة أكبر على خطوط السكك الحديدية لنقل البضائع من الخليج عبر السعودية والأردن وإسرائيل وصولًا إلى موانئ البحر المتوسط ثم أوروبا.

ولا يقتصر المشروع على الحاويات والسكك الحديدية؛ إذ يتضمن أيضًا تصورات لمد خطوط الكهرباء وكابلات البيانات والاتصالات، إلى جانب بنية يمكن استخدامها مستقبلًا لنقل الهيدروجين النظيف.

ومن هنا تتجاوز أهمية IMEC فكرة إنشاء «طريق تجاري» لتصبح محاولة لبناء شبكة اقتصادية تربط الهند والخليج وأوروبا بالطاقة والنقل والبيانات معًا.

هل هو مشروع لمنافسة الصين؟

منذ الإعلان عنه، قُدم IMEC في كثير من التحليلات باعتباره أحد الردود الغربية والهندية على التوسع الكبير الذي حققته الصين عبر مبادرة الحزام والطريق.

فمنذ إطلاقها عام 2013، ضخت الصين استثمارات واسعة في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والبنية الرقمية في آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وتشير دراسة أكاديمية منشورة في مايو/أيار 2026 إلى أن مناطق الشرق الأوسط وجنوب أوروبا تمثل إحدى ساحات التداخل الرئيسية بين BRI وIMEC، بما يجعل الممرات الاقتصادية جزءًا من المنافسة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي وسلاسل الإمداد.

لكن الدراسة الإسرائيلية تحذر من اختزال IMEC في فكرة واحدة هي «هزيمة الحزام والطريق».

وتقول إن السؤال الأكثر فائدة ليس: كيف يصبح IMEC مختلفًا عن المشروع الصيني؟ وإنما: ماذا يمكن أن يتعلم منه؟

أول الدروس: لا تبنِ المشروع كله دفعة واحدة

إحدى الأفكار الرئيسية في الدراسة تتعلق بطريقة تشكل مبادرة الحزام والطريق نفسها.

فعلى خلاف الصورة الشائعة التي تصور BRI باعتبارها مشروعًا صينيًا صُمم بالكامل داخل بكين قبل تنفيذه، تقول الباحثة إن المبادرة بدأت في الحقيقة بصورة أكثر مرونة.

عندما أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ المشروع عام 2013، لم تكن هناك قائمة نهائية بالمشروعات أو خريطة تفصيلية أو جدول زمني موحد.

وتوسعت المبادرة تدريجيًا عبر شركات حكومية وخاصة وبنوك وسلطات محلية وحكومات دول مشاركة، وأُدرجت تحت مظلتها لاحقًا مشروعات كان بعضها قائمًا بالفعل.

وترى الدراسة أن هذه المرونة ساعدت المشروع الصيني على التوسع والتكيف مع الظروف المختلفة.

وبالنسبة لـIMEC، تعني هذه التجربة أن المشروع قد لا يحتاج منذ البداية إلى شبكة عملاقة مكتملة، بل يمكن بناؤه تدريجيًا عبر مشروعات صغيرة وممرات متصلة ذات جدوى اقتصادية واضحة، ثم ربطها ببعضها مع الوقت.

السكك والموانئ وحدها لا تكفي

أما الدرس الثاني فهو ربما الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية.

تشير الدراسة إلى بحث منشور في 2026 درس آثار الانضمام إلى الحزام والطريق في 105 دول خلال الفترة 2007–2023.

ووفق ما تنقله الدراسة، تحسنت البنية التحتية اللوجستية المادية وحركة الحاويات والربط البحري في الدول المشاركة، لكن التحسن لم يكن مماثلًا في مجالات مثل كفاءة الجمارك والخدمات اللوجستية وتتبع الشحنات ومواعيد التسليم وجودة الأطر التنظيمية.

وهنا تصل الباحثة إلى خلاصة مهمة:

يمكن للدولة أن تبني ميناءً حديثًا أو خط سكة حديد سريعًا، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنها بنت ممرًا تجاريًا فعالًا.

فإذا توقفت الشاحنات ساعات عند الحدود، واختلفت الأنظمة الجمركية، ولم تتكامل منصات البيانات، وتعقدت إجراءات التأمين والشحن، فقد تضيع المكاسب التي وفرتها البنية التحتية الجديدة.

لذلك تدعو الدراسة IMEC إلى العمل بالتوازي على ما يمكن تسميته البنية التحتية الصلبة من موانئ وسكك وطرق، والبنية التحتية الناعمة من تشريعات ومعايير جمركية وأنظمة رقمية ولوجستية.

أين السعودية والإمارات؟

يكتسب هذا الاستنتاج أهمية خاصة بالنسبة إلى الخليج.

فالسعودية والإمارات ليستا مجرد محطتين على الطريق، وإنما تمثلان قلب الجزء الأوسط من الممر.

واللافت أن الدولتين ترتبطان اقتصاديًا بالصين بصورة واسعة، وفي الوقت ذاته تشاركان في مشروع IMEC.

ولهذا ترى الدراسة أن التعامل مع الممر الجديد باعتباره تحالفًا اقتصاديًا هدفه إقصاء الصين قد لا يتوافق بالضرورة مع مصالح دول الخليج، التي تحاول الحفاظ على علاقات اقتصادية متعددة الاتجاهات.

وتشير دراسة INSS نفسها إلى أن الرياض وأبوظبي لا تنظران بالضرورة إلى IMEC من زاوية المنافسة الأمريكية–الصينية نفسها التي تظهر في بعض الخطاب الغربي.

ومن هنا يظهر أحد أهم الأسئلة الاقتصادية للمشروع:

هل يصبح IMEC طريقًا أمريكيًا–هنديًا لمنافسة الصين، أم يتحول إلى شبكة مفتوحة تستخدمها في النهاية التجارة الصينية نفسها؟

الدراسة: لا يمكن إخراج الصين من المعادلة

هنا تقدم الدراسة ربما أكثر استنتاجاتها إثارة.

فهي ترى أن حجم الصين داخل الاقتصاد العالمي يجعل إنشاء ممر تجاري بين آسيا وأوروبا «خالٍ من الصين» أمرًا غير واقعي.

وتستشهد الباحثة بحجم الشركات الصينية في النقل البحري وسلاسل التوريد والصناعات المرتبطة بالطاقة.

وتذكر أن شركة الشحن الصينية COSCO كانت في 2026 رابع أكبر شركة لنقل الحاويات عالميًا بحصة تقارب 10.6% من الطاقة الاستيعابية العالمية، كما تشير إلى الهيمنة الصينية الكبيرة على سلسلة تصنيع معدات الطاقة الشمسية عالميًا.

وبالتالي، حتى إذا تطور IMEC كمسار منافس، فمن المرجح أن تمر عبره سلع صينية، وأن تستخدمه شركات شحن صينية، وربما تعتمد بعض بنيته على معدات مصنعة في الصين.

ولهذا تقترح الدراسة التمييز بين مفهومين:

التنويع الاستراتيجي، أي بناء مسارات إضافية تمنع اعتماد التجارة على طريق أو قوة واحدة؛

والإقصاء الاقتصادي، أي محاولة استبعاد الصين بصورة كاملة من الشبكة.

وتعتبر الخيار الأول أكثر واقعية.

المفارقة الإسرائيلية

وتحمل الدراسة بعدًا إسرائيليًا واضحًا، نظرًا لأن إسرائيل تطمح إلى أن تصبح نقطة عبور رئيسية في الجزء المتوسطي من IMEC.

لكن هذه الرؤية تواجه مشكلات عملية.

فدراسة نشرها معهد الشرق الأوسط في يونيو/حزيران 2026 تشير إلى أن قدرة الموانئ الإسرائيلية الحالية قد تصبح إحدى نقاط الاختناق الرئيسية في المشروع، خصوصًا إذا ارتفعت حركة الحاويات القادمة من الخليج باتجاه البحر المتوسط.

كما أن أحد الموانئ الرئيسية في حيفا يُشغَّل بموجب امتياز طويل الأجل بواسطة شركة صينية حكومية، وهو ما يضع مفارقة واضحة أمام تصور تقديم IMEC باعتباره مشروعًا يستهدف تقليص النفوذ الاقتصادي الصيني.

وتظهر المفارقة بصورة أكبر إذا كان المشروع يحتاج في الوقت نفسه إلى المرور عبر منشآت وشبكات توجد للصين فيها مصالح اقتصادية.

مشروع ضخم.. لكنه لم يتحول بعد إلى شبكة مكتملة

ورغم الزخم السياسي المحيط بالمشروع، فإن الفارق بين الطموح والواقع لا يزال كبيرًا.

فتقييم نشره Middle East Institute في يونيو 2026 خلص إلى عدم وجود التزامات تمويلية كبرى أو جداول زمنية واضحة لتنفيذ المشروع حتى منتصف العام.

وبدورها قالت Asia House في تحليل نشر في 27 أغسطس/آب 2026 إن IMEC لا يزال جزءًا من أجندة الهند، لكنه يواجه عقبات سياسية وأمنية ولوجستية كبيرة، ولا يوجد حتى الآن جدول تنفيذي ملموس للمشروع بأكمله.

وتشكل الصراعات الإقليمية والعلاقة بين إسرائيل والدول العربية والأمن في البحر الأحمر والخليج عناصر قادرة على إعادة رسم المسار الاقتصادي للممر أو تأخيره.

وهنا يصبح نجاح IMEC مرتبطًا ليس فقط ببناء السكك والموانئ، وإنما بقدرته على العمل داخل واحد من أكثر الأقاليم السياسية تعقيدًا في العالم.

الشرق الأوسط أمام خريطة تجارة جديدة

ما تكشفه الدراسة الإسرائيلية يتجاوز المقارنة التقنية بين مشروعين.

فالمنافسة الحقيقية تدور حول من يرسم طرق التجارة والطاقة والبيانات بين آسيا وأوروبا خلال العقود المقبلة.

الحزام والطريق منح الصين خلال أكثر من عشر سنوات حضورًا في موانئ وطرق وشبكات طاقة واتصالات حول العالم، فيما يحاول IMEC إنشاء طريق إضافي يعطي الهند والخليج وأوروبا خيارات أوسع.

لكن التجربة الصينية تقول، بحسب الدراسة، إن نجاح هذه المشروعات لا يتحقق بالشعارات الجيوسياسية وحدها.

فالطريق الذي لا يوفر تكلفة أفضل وسرعة أعلى وإجراءات جمركية أكثر سهولة وطلبًا تجاريًا حقيقيًا سيبقى مشروعًا سياسيًا أكثر منه ممرًا اقتصاديًا.

ولهذا تخلص الدراسة إلى أن معيار نجاح IMEC لا ينبغي أن يكون هل استطاع إزاحة الحزام والطريق؟ أو هل استطاع إخراج الصين من الشرق الأوسط؟

بل ما إذا كان قادرًا على بناء شبكة نقل وتجارة تمنح الدول المشاركة خيارات أكثر، وتكلفة أقل، وقدرة أكبر على تنويع طرق الإمداد.

وفي النهاية، قد تكون المفارقة الأبرز أن المشروع الذي قُدم جزئيًا باعتباره منافسًا للصين، قد يكتشف أن التجربة الصينية نفسها إحدى أهم الأدوات التي يحتاج إليها كي ينجح.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى