
حنان البلخي لمراسلين: القرار ينقل دور النساء من المبادرات الفردية إلى المشاركة المؤسسية في ملف المفقودين
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع، وبمبادرة من سوريا، قراراً يقضي بإعلان 19 ديسمبر/كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.
ودعا القرار الدول الأعضاء والجهات المعنية إلى تنظيم فعاليات تسلط الضوء على جهود النساء في البحث عن المفقودين، وما يواجهنه من تداعيات إنسانية ونفسية واجتماعية، إلى جانب اتخاذ تدابير عملية لمنع جميع أشكال التمييز والعنف ضدهن، وضمان تمتعهن الكامل بحقوق الإنسان.
وقال الممثل الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، السفير إبراهيم العلبي، قبيل اعتماد القرار، إن النساء السوريات واجهن واحدة من أكبر أزمات المفقودين في التاريخ الحديث، مؤكداً أهمية حشد الدعم الدولي للمتضررين، وتعزيز جهود البحث عن المفقودين.
ويُعد القرار أول مشروع تقدمه سوريا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ الإطاحة بالنظام السابق.
دور المرأة السورية
قالت عضو مجلس الشعب السوري، الأستاذة حنان البلخي، من محافظة درعا، في تصريح خاص لـ«مراسلين»، السبت 5 سبتمبر/أيلول 2026، إن أهمية القرار تتجاوز كونه يوماً دولياً يحمل رمزية خاصة، إلى كونه اعترافاً دولياً بالدور الذي أدته المرأة السورية خلال عقود طويلة.
وأضافت البلخي أن المرأة لم تكن فقط من ذوي المفقودين، بل كانت صاحبة مبادرة في البحث والتوثيق وحفظ الذاكرة والمطالبة بالحقيقة والعدالة، مشيرة إلى أن القرار ينقل هذا الدور من مساحة المبادرات الفردية والأهلية إلى مساحة المشاركة المؤسسية، بما يجعل النساء وعائلات المفقودين شركاء في صياغة السياسات والآليات المتعلقة بالكشف عن مصير المفقودين، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.
وأوضحت البلخي أن القرار يمثل خطوة في مسار جبر الضرر، لكنه لا يشكل بديلاً عنه، مؤكدة أن الاعتراف بمعاناة أسر المفقودين وسنوات البحث والانتظار يحمل قيمة نفسية ومعنوية كبيرة، بعد سنوات شعرت فيها كثير من العائلات بأن صوتها غير مسموع وأن معاناتها غير معترف بها.
وشددت على أن جبر الضرر الحقيقي يحتاج إلى ما هو أبعد من الاعتراف الرمزي، وفي مقدمته كشف الحقيقة عن مصير المفقودين، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للعائلات، وضمان العدالة والمساءلة.
المرأة السورية في المحافل الدولية
وأكدت البلخي أن المرأة السورية هي التي صنعت هذا الاعتراف قبل صدور القرار، مضيفة أن الأمهات والزوجات والأخوات ومنظمات عائلات المفقودين والناشطات عملن، على مدى عقود، من أجل إبقاء هذه القضية حاضرة في المحافل الدولية.
وتابعت: «ما يقدمه القرار اليوم هو نقل هذا الدور من مجرد الحضور أو المناصرة إلى اعتراف دولي رسمي بدور النساء الباحثات عن المفقودين في الحقيقة والذاكرة والسلام».
ورأت البلخي أن أهمية القرار تكمن في أنه يمنح المرأة السورية مساحة أكبر للمطالبة بأن تكون شريكاً في النقاشات والآليات الوطنية والدولية المتعلقة بالمفقودين، لا مجرد متلقية للنتائج.
وفي السياق ذاته، أوضحت البلخي أن هناك فجوة بين الاعتراف بدور المرأة وبين توفير الأدوات التي تمكنها من ممارسة هذا الدور بصورة مؤسسية، مشيرة إلى الحاجة لضمان حضور النساء، ولا سيما ممثلات عائلات المفقودين، في المؤسسات واللجان المعنية بهذا الملف.
كما دعت إلى إيجاد آليات واضحة للوصول إلى المعلومات والوثائق والسجلات، وحماية النساء العاملات في التوثيق والبحث، إضافة إلى توفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لهن، بما يحول مشاركتهن إلى مشاركة حقيقية في وضع السياسات واتخاذ القرارات.
المرأة وصناعة القرار
وقالت البلخي إن القرار لا يمنح المرأة موقعاً دستورياً أو قانونياً جديداً في صناعة القرار، ولذلك لا ينبغي تحميله أكثر مما ينص عليه، لكنه يكرس مبدأً مهماً مفاده أن النساء الباحثات عن المفقودين صاحبات خبرة وحق وصوت في هذه القضية، ولسن مجرد ضحايا أو متلقيات للمساعدة.
وأضافت أن المسؤولية اليوم في سوريا تتمثل في ترجمة هذا الاعتراف الدولي إلى مشاركة فعلية للنساء في المؤسسات الوطنية واللجان والسياسات المتعلقة بملف المفقودين والعدالة الانتقالية، مؤكدة أن الاعتراف الحقيقي لا يكتمل إلا بالمشاركة.
من البحث الفردي إلى العمل المؤسسي
وأكدت البلخي أن تعزيز دور المرأة في العمل المؤسسي يتطلب الانتقال من العمل الفردي إلى الشراكة المؤسسية، مع الحفاظ على استقلالية المجتمع المدني.
وأشارت إلى أن النساء اللواتي راكمن خبرة طويلة في البحث عن المفقودين والتوثيق والتواصل مع العائلات يمتلكن معرفة لا يمكن لأي مؤسسة تجاهلها، ويمكن الاستفادة من هذه الخبرة في تطوير قواعد البيانات، وآليات التواصل مع الأسر، وحفظ الوثائق والشهادات، وصياغة التشريعات والسياسات، ومراقبة أداء المؤسسات المعنية بهذا الملف.
شهادة من عائلة مفقودة
ومع اعتماد القرار، يظل ملف المفقودين في سوريا واحداً من أبرز الملفات الإنسانية، في ظل استمرار مصير أعداد كبيرة من الأفراد مجهولاً، وما يترتب على ذلك من تبعات قانونية وإنسانية ونفسية على عائلاتهم، ولا سيما النساء اللواتي تولين لسنوات مهمة البحث عن ذويهن.
وفي شهادة خاصة لـ«مراسلين»، روى أنور عبد المجيد المحزم، أحد ذوي المفقودين، تفاصيل فقدان شقيقته تغريد المحزم، وهي أم لخمسة أبناء، وكانت تعمل أمينة سر في مدرسة للفنون النسوية ومديرة لمدرسة إلكترونية، وكانت تقطن في أحد أحياء محافظة درعا.
وقال المحزم، السبت 5 سبتمبر/أيلول 2026، إن شقيقته فُقدت بعد أن طُلب منها مغادرة المنطقة إلى الأحياء الخارجة عن سيطرة النظام آنذاك في حي طريق السد، لكنها فضلت البقاء أياماً إضافية لاستكمال تعليم أبنائها.
وأضاف: «بعد ذلك فُقدت هي ومن كان معها، ومنهم نجود المفعلاني وجمال المحاميد. بحثنا عنها مرات عدة، ولم نستطع العثور على أي أثر لها. لم يكن أمامنا سوى سؤال واحد: أين اختفت؟».
وتابع أن العائلة تلقت خلال تلك الفترة روايات متضاربة، بينها أن جثماناً شوهد أمام المدرسة، لكنها بقيت مجرد روايات غير مؤكدة. وأوضح أنهم راجعوا في عهد النظام السابق الشرطة العسكرية، فقيل لهم إنها في سجن عدرا، لكن البحث عنها في سجن النساء بعد ذلك لم يؤد إلى أي نتيجة.
وختم المحزم شهادته بالقول إن فقدان شقيقته تغريد ترك أثراً نفسياً عميقاً في العائلة «لا يمكن جبره بسهولة»، مشيراً إلى أن رحلة البحث عنها استمرت حتى بعد التحرير، أملاً في معرفة الحقيقة.




