
ثمة اجتماعات تنتهي بانتهاء جلساتها، وثمة اجتماعات تفرض أهميتها من اللحظة التي تأتي فيها.
واجتماع العرب أمس في القاهرة يأتي في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ منطقتنا الحديث؛ مرحلة تتسارع فيها الأحداث، وتتسع دوائر الصراع، ويصبح الخبر الذي يبدأ صباحًا في عاصمة عربية قادرًا على أن يترك أثره مساءً في عاصمة أخرى.
ولهذا، فإن انعقاد الدورة الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه اجتماعًا دوريًا آخر، بقدر ما ينبغي أن يُقرأ من خلال سؤال أكبر:
ماذا يحتاج العرب من بعضهم اليوم؟
ربما تكون الإجابة أبسط من كل التعقيدات السياسية: أن يدركوا أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن أمن أي دولة عربية لم يعد منفصلًا عن أمن جوارها، وأن المستقبل الذي تنتظره شعوب المنطقة لا يمكن أن يُبنى وسط نزاعات لا تنتهي.
وفي قلب المشهد تقف فلسطين
ليست فلسطين بندًا عابرًا على جدول أعمال، ولا قضية موسمية تعود إلى الواجهة كلما اشتدت الأحداث، بل قضية شعب عاش أجيالًا وهو ينتظر حقًا يعرفه العالم؛ بيتًا آمنًا، وحياة طبيعية، وطفلًا يستطيع أن يكبر دون أن يصبح الخوف جزءًا من ذاكرته.
حين نتحدث عن فلسطين، فنحن لا نتحدث عن خرائط وحدود فحسب، وإنما عن أم تخشى على أبنائها، وأب يريد العودة إلى بيته، وطفل يُفترض أن تكون أكبر همومه مدرسته ومستقبله، لا أن يتعلم في سنواته الأولى معنى النزوح والفقد.
ومن هنا، تصبح وحدة الموقف العربي مسؤولية تتجاوز حسابات السياسة إلى مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن منطقتنا دفعت ثمنًا باهظًا للصراعات والانقسامات؛ أموال كان يمكن أن تبني جامعات ومدنًا ومصانع، وطاقات بشرية كان يمكن أن تصنع مستقبلًا مختلفًا، وأجيال كان من حقها أن تعيش في منطقة أكثر استقرارًا وازدهارًا.
ولهذا يبدو السلام اليوم أكثر شجاعة من الحرب، والحوار أكثر حكمة من القطيعة، والتنمية أكثر قدرة على صناعة التاريخ من استمرار الأزمات.
السعودية.. التنمية في محيط يحتاج إلى الاستقرار
وهنا يبرز الدور الذي اختارته المملكة العربية السعودية لنفسها في هذه المرحلة.
فالمملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، تمضي في مسار يقوم على قناعة مفادها أن قوة الوطن في داخله لا تنفصل عن استقرار محيطه، وأن المنطقة التي تطمح إلى التنمية تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية فرص السلام والاستقرار.
والمتأمل في التحولات التي تعيشها المملكة يرى وطنًا لا ينتظر المستقبل بقدر ما يعمل على صناعته؛ اقتصاد يتنوع، ومدن تتغير، وقطاعات جديدة تتوسع، وفرص تولد، وطموح تجاوز كثيرًا من الحدود التقليدية.
وفي قلب هذه التحولات يقف الإنسان، بوصفه المستفيد الأول من التنمية وصانعها في الوقت ذاته.
وهذه التجربة تحمل رسالة مهمة للمنطقة كلها:
إن الشرق الأوسط يستحق أن يُعرف بما يبنيه، لا بما يُهدم فيه.
يستحق أن تكون أخباره عن الاقتصاد والابتكار والتعليم والسياحة والثقافة والإنسان، لا أن تبقى نشراته مرتبطة بالحروب والضحايا والنزوح.
فالطفل العربي، أيًا كان وطنه، لا ينبغي أن يرث خلافات الأجيال التي سبقته.
من حقه أن يرث مدرسة أفضل، ووطنًا أكثر أمنًا، واقتصادًا يمنحه فرصة، ومنطقة يستطيع أن يحلم فيها دون أن يخشى أن تهدم أزمة جديدة ما بناه.
العمل العربي المشترك ليس ترفًا
لهذا، فإن العمل العربي المشترك لم يعد ترفًا سياسيًا، بل استثمارًا في مستقبل أجيال لم تولد بعد.
صحيح أن الدول تختلف في مصالحها وتقديراتها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الحكمة ليست في غياب الاختلاف، وإنما في القدرة على إدارته من دون أن يتحول إلى جدار يمنع التعاون في المساحات التي نتفق عليها.
وبين الدول العربية مساحات اتفاق هائلة.
أمننا متداخل، واقتصاداتنا تملك إمكانات كبيرة للتكامل، وشعوبنا ترتبط بتاريخ وثقافة ولغة ومصير جغرافي لا يمكن تجاهله.
وإذا كانت منطقتنا قد أمضت عقودًا طويلة في إدارة الأزمات، فقد آن الأوان أن تستثمر العقود المقبلة في صناعة الفرص.
أن نتنافس في جودة التعليم.
وفي قوة الاقتصاد.
وفي الابتكار.
وفي جودة الحياة.
وفي عدد المشروعات التي تفتح أبوابها أمام الشباب.
وفي مقدار الأمل الذي يستطيع كل وطن أن يزرعه في أبنائه.
هذا هو التنافس الذي يستحقه العرب
ولعل أهم ما يمكن أن يخرج من أي اجتماع عربي ليس بيانًا طويلًا، ولا صورة جماعية جديدة، وإنما قناعة مشتركة بأن هذه المنطقة لا ينقصها التاريخ، ولا الثروات، ولا العقول.
ما تحتاجه هو أن تؤمن أكثر بقدرتها على صناعة مستقبلها، وأن تحوّل هذه القدرة من خطاب إلى سياسات ومشروعات ومصالح مشتركة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
فالأوطان لا تكبر بما تملكه فقط، بل بما تمنحه لأبنائها من أمل.
والدول لا تصنع التاريخ بكثرة ما تتحدث عن المستقبل، وإنما بما تبدأ في بنائه اليوم.
ومن القاهرة، حيث يجتمع العرب مرة أخرى حول طاولة واحدة، يبقى الأمل أن تكون كل مصافحة خطوة نحو تفاهم، وكل حوار بابًا نحو حل، وكل اتفاق مساحة جديدة للاستقرار.
لأن خلف أبواب قاعات السياسة ملايين البشر الذين لا يطلبون المستحيل.
يريدون وطنًا آمنًا.
وحياة كريمة.
ومستقبلًا أفضل لأبنائهم.
وفي النهاية، ربما تكون أعظم رسالة يستطيع العرب أن يحملوها إلى العالم اليوم بسيطة جدًا:
لقد عرفنا طويلًا ثمن الخلاف.. وحان الوقت أن يعرف أبناؤنا قيمة الاتفاق.




