السودانخاص مراسلينعربي و دولي

الحقيقة في مرمى النيران: العالم يحيي «يوم مكافحة الإفلات من العقاب» وسط تصاعد دامي للجرائم بحق صحفيي السودان​:

الخرطوم: يحيي العالم في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) «اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين»، في وقت تتقاطع فيه البيانات الدولية القاتمة مع واقع ميداني دامٍ يخوضه الصحفيون في مناطق النزاع، وعلى رأسها السودان؛ حيث تحولت «سلطة الحقيقة» إلى هدف مباشر للأسلحة المستحدثة، والتعديلات القانونية القاسية، وتراجع مؤسسات العدالة، واستشراء ثقافة الحصانة.
​وفيما تُشدد الأمم المتحدة على خطورة الانهيار القضائي وتواصل سيناريو «العدالة الغائبة»، دعت هيئات صحفية وإعلامية سودانية إلى فتح تحقيقات مستقلة لملاحقة المتورطين في الانتهاكات المتصاعدة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023، لإنصاف الضحايا وضمان محاسبة الجناة.
​نقيب الصحفيين السودانيين لـ «مراسلين»: الإفلات يغذّي التمادي والعدالة غائبة


​وفي تصريحات خاصة لـ «مراسلين »، أكد نقيب الصحفيين السودانيين، عبدالمنعم أبوإدريس، أن تقرير اليونسكو يعكس بصدق حالة الخطر الجسيم الذي يواجه الصحفيين جراء إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، وهو ما يدفعهم للتمادى في اعتداءاتهم. واعتبر النقيب أن هذه التقارير تمثل «صرخة لكل المجتمع العالمي للانتباه لهذا الأمر الخطر»، مشدداً على أن استمرار هذه الحالة يهدد حياة الصحفيين ويجعل المهنة نفسها طاردة في مناطق النزاع حول العالم.
​وحول واقع المحاسبة الميدانية، كشف النقيب لـ «مراسلين» أنه «لم يتم فتح أي تحقيقات حول مقتل 43 صحفياً منذ بدء الحرب،أو بشأن المختفين قسرياً وعددهم 5 صحفيين،فضلاًعن المئات ممن تعرضوا لانتهاكات مختلفة».


​تشريعات طارئة تحول الصحافة إلى «إثارة حرب»
​وتواجه الصحافة السودانية تطورات قانونية وأمنية مفصلية عقب صدور المرسوم الدستوري المؤقت رقم (7) لسنة 2026، وتعديل المادة (51/أ) من القانون الجنائي لسنة 1991، إلى جانب تشكيل «الآلية الوطنية المعنية برصد المحتوى وقيد الدعاوى».
​هذا التعديل الذي وسّع نطاق جريمة «إثارة الحرب ضد الدولة» ليشمل النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية، وضع العمل الصحفي وتوثيق الانتهاكات في دائرة التجريم المباشر تحت عقوبات تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد ومصادرة الأموال.
​وفي تصريحات صحفية، أوضحت المحامية رنا عبد الغفار أن «التعديل يحول وسائل الإعلام والتواصل من أدوات للتعبير إلى وسائل ارتكاب مادية لجريمة تصل عقوبتها للإعدام»، مشيرة إلى أن الغرض التشريعي تمثل في بسط رقابة شاملة على الفضاءين الرقمي والإعلامي وتجريم أي تأييد معنوي أو إعلامي لجهات تصنفها السلطة متمردة. وأكدت أن منح الآلية الوطنية جهات تنفيذية صلاحيات تتبع المحتوى وقيد الدعاوى نيابة عن الدولة يُعد تغولاً على الاختصاص الحصري للنيابة العامة وإخلالاً بضمانات المحاكمة العادلة وفصل السلطات.
​حصاد الميدان والنزوح الجماعي


​وعلى صعيد الواقع المهني والإنساني، أشار النقيب عبد المنعم أبو إدريس إلى أن الصحفيين والصحفيات السودانيين، رغم الدمار الهائل الذي لحق بمؤسساتهم وما تعرضوا له من تشريد عبر النزوح واللجوء، «ظلوا يقومون بدورهم الوطني والأخلاقي في نقل مأساة شعبهم». ولفت إلى أن فقدان المئات منهم لوظائفهم خلق أوضاعاً اقتصادية بالغة القسوة لهم ولأسرهم.
​وكانت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين قد وثقت في تقريرها نحو 673 انتهاكاً منذ اندلاع الحرب وحتى منتصف عام 2026، تضمنت القسوة الميدانية، والاعتقالات التعسفية، والملاحقات القضائية التي شملت عشرات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
​حماية الصحفيات والأخطار الرقمية
​وفيما يتعلق بحماية الصحفيات، شدد نقيب الصحفيين على ضرورة التطبيق الحازم للقانون ضد مرتكبي الانتهاكات في مواجهة الصحفيات، والابتعاد التام عن استغلال انتمائهن الجنسي للنيل منهن، داعياً إلى أوسع تضامن شعبي ومهني لصد هذه الحملات الرقمية والميدانية الموجهة ضدهن.
​وكانت «شبكة الإعلاميات السودانيات» قد حذرت مسبقاً من تصاعد الاستهداف الممنهج، في وقت تشير فيه تقارير اليونسكو إلى تعرض غالبيتهن للترهيب الرقمي عبر الإنترنت.
​أرقام ودلالات بين الميدان المحلي والتقرير الأممي
​وعلى الصعيد العالمي، كشف تقرير منظمة «اليونسكو» لعام 2026 عن مقتل 189 صحفياً أثناء أداء عملهم خلال الفترة بين 2024 و2025، بزيادة 20 في المائة مقارنة بالفترة السابقة. كما أظهر التقرير أن نحو 86 في المائة من قضايا قتل الصحفيين المسجلة منذ عام 2006 لا تزال دون متابعة أو حسم عدلي، وأن الطائرات المسيّرة أصبحت مسؤولة عن 40 في المائة من حالات قتل الصحفيين في النزاعات المسلحة، فيما تفلت الجرائم من العقاب في 9 من كل 10 حالات عالمياً.
​رسالة نقيب الصحفيين للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية


​وفي ختام إفادته الخاصة لـ «مراسلين»، وجه نقيب الصحفيين السودانيين رسالة واضحة للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية لعدم ترك الملف السوداني كـ«أزمة منسية»، مطالباً بالتالي:
• ​الاتحادالدولي للصحفيين: تثمين مواقف تضامنه، مع المطالبة باتخاذ خطوات تنفيذية لوضع “صندوق المساعدات للصحفيين السودانيين” حقيقة واقعة بعد أن أقره مؤتمره الأخير وأتبعته لجنته التنفيذية بقرار لإرسال بعثة للتضامن مع الصحفيين السودانيين.
• ​منظمةاليونسكو: تكثيف حملات تدريب الصحفيين في مجالات السلامة المهنية، وقيادة حملة دولية لإعادة بناء المؤسسات الصحفية التي دمرتها الحرب، حتى يتمكن الصحفيون والصحفيات من العودة لممارسة مهنتهم ولتلعب الصحافة دورها المنشود في أمن وسلام واستقرار السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى