أخبارسياسة

السقوط المدوي للجمهوريين.. هل يعيد رسم سياسات البيت الأبيض تجاه إسرائيل؟

بقلم: أبوبكر إبراهيم أوغلو

لم تقتصر تداعيات الهزيمة التي تعرض لها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية على خسارة السيطرة على الكونغرس؛ فقد فتحت نقاشًا داخل معسكر الحكم حول كلفة الحرب على إيران، وحدود الالتزام تجاه إسرائيل، والمسافة بين شعار «أمريكا أولًا» والسياسات التي نُفذت باسمه.

وجاءت تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس لتمنح هذا النقاش بُعدًا أكثر وضوحًا. فقد حمّل الحرب مسؤولية الهزيمة، مستندًا إلى ما نقله عن استطلاع لناخبين ابتعدوا عن الجمهوريين، وضعوا إنهاء الحرب ومعالجة غلاء المعيشة وتقديم المصالح الأمريكية وتغيير العلاقة مع إسرائيل ضمن أولويات استعادة تأييدهم للحزب.

السؤال الذي تطرحه هذه التصريحات هو مدى استعداد الإدارة لترجمة الخسارة الانتخابية إلى مراجعة سياسية: هل يصبح ضبط العلاقة مع إسرائيل جزءًا من محاولة الجمهوريين استعادة ناخبيهم، أم يظل الحديث عنها محصورًا في تبادل المسؤولية عن الهزيمة؟

من السياسة الخارجية إلى فاتورة الداخل

تزداد حساسية العلاقة مع إسرائيل حين ترتبط، في إدراك الناخب الأمريكي، بتكاليف يدفعها داخل بلاده: ارتفاع أسعار الوقود، والإنفاق العسكري، واحتمالات استنزاف القوات، وتراجع الاهتمام بالاحتياجات المعيشية.

في هذه الحالة، تدخل السياسة الخارجية إلى الحساب الانتخابي من باب الحياة اليومية. وقد يرفض الناخب استمرار الحرب بسبب نتائجها الاقتصادية أو مخاطرها على بلاده، من دون أن يتبنى موقفًا شاملًا من الصراع العربي الإسرائيلي. لكن النتيجة السياسية تظل مؤثرة: يصبح على الإدارة أن تبرر التزاماتها الخارجية أمام جمهور يسأل عما تحققه له.

وهنا يلتقي الاعتراض على الحرب مع التوتر داخل خطاب «أمريكا أولًا». فاستمرار التورط العسكري يضع أصحاب هذا الشعار أمام اختبار صعب: كيف يمكن إقناع الناخب بأن مصالحه تتقدم الأولويات، بينما يرى أن أزمات الخارج تستنزف موارد الدولة واهتمامها؟

ماذا تقول الاستطلاعات؟

تعزز استطلاعات الرأي فرضية وجود ضغط شعبي لمراجعة الدعم. ففي استطلاع جامعة ماركيت خلال سبتمبر 2026، اعتبر 55% أن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تتجاوز المستوى المطلوب، مقابل 33% رأوا أنها مناسبة، و12% اعتبروها غير كافية. كما أظهرت النتائج ضعف الاقتناع بجدوى الحرب على إيران مقارنة بكلفتها.

ومع ذلك، فإن المزاج الأمريكي منقسم حزبيًا. فقد أظهر استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، الذي أُجري في يوليو، أن أغلبية الديمقراطيين والمستقلين تؤيد خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل أو وقفها، بينما بقيت أغلبية الجمهوريين مؤيدة للإبقاء عليها أو زيادتها. وهذا الانقسام يحد من قدرة القيادة الجمهورية على إجراء مراجعة واسعة من دون مواجهة مقاومة داخل قاعدتها نفسها.

كما ينبغي التمييز بين قياس المواقف من الحرب وإثبات أسباب التصويت. فالنتائج الأولية لاستطلاع ناخبي ABC News أظهرت أن غلاء المعيشة والفساد الحكومي حظيا بأهمية انتخابية أكبر من الحرب على إيران. ولذلك، فإن اعتبار إسرائيل وحدها سبب السقوط الجمهوري يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة. الأرجح أن الحرب كانت جزءًا من أزمة أوسع في الثقة بالأداء الحكومي، وتداخلت آثارها مع الضغوط الاقتصادية.

فانس ومعركة تعريف الهزيمة

تحمل تصريحات فانس أهمية تتجاوز مضمون الاستطلاع الذي استشهد به. فهو يتحدث من داخل الإدارة، ويمنح الاعتراض على كلفة الحرب شرعية سياسية في أعلى مستويات الحزب.

ويمكن قراءة موقفه بوصفه محاولة للتأثير في اتجاه الجمهوريين بعد الهزيمة، وربما في النقاش الذي سيسبق انتخابات الرئاسة عام 2028. فتحديد سبب الخسارة يعني، عمليًا، تحديد السياسة التي ينبغي تغييرها والقيادة القادرة على تنفيذ ذلك.

لكن هذه قراءة سياسية لدلالات التصريح، وليست دليلًا على أن فانس تبنى برنامجًا لتقليص الدعم لإسرائيل. فبين نقل مطالب الناخبين والالتزام بتنفيذها مسافة ستكشفها مواقفه من التمويل والتسليح والتصعيد العسكري.

ويزداد هذا التمييز ضرورة مع استمرار ترامب في الدفاع عن قرار الحرب رغم إقراره بمساهمتها في الخسارة. وهو ما يشير إلى أن مراجعة السياسة، إن بدأت، ستجري وسط خلاف على استخلاص الدروس من الانتخابات.

أين يمكن أن يبدأ التغيير؟

السيناريو الأقرب، في تقديري، هو محاولة خفض الكلفة الأمريكية للعلاقة مع إسرائيل، مع الحفاظ على أسس التحالف. وقد يظهر ذلك في زيادة الضغط لإنهاء الحرب، أو مقاومة الانجرار إلى جولة جديدة، أو إخضاع بعض الالتزامات العسكرية لمناقشة أشد.

وسيكون الفصل بين دعم أمن إسرائيل والموافقة على خيارات حكومتها أحد أهم اختبارات المرحلة. فكلما ارتفعت الكلفة الداخلية لهذه الخيارات، زادت حاجة البيت الأبيض إلى إظهار قدرته على اتخاذ قرار مستقل بشأن توقيت الحرب وحدود المشاركة الأمريكية فيها.

أما الكونغرس، فيمكن أن يمنح المطالبين بالمراجعة أدوات إضافية عبر الرقابة على الإنفاق، ومساءلة المسؤولين، ومناقشة صفقات السلاح. لكن فوز الديمقراطيين لا يعني تلقائيًا اتفاقهم على سياسة موحدة تجاه إسرائيل؛ فحدود الدعم وشروطه تظل محل خلاف داخل الحزب أيضًا.

القرارات ستحدد معنى التحوّل

سيُقاس أثر الانتخابات في ثلاثة ملفات أساسية: موقف واشنطن من أي تصعيد جديد، وشروط المساعدات وصفقات السلاح، ومدى استعدادها لاستخدام نفوذها للضغط على الحكومة الإسرائيلية.

إذا بقيت هذه الملفات على حالها، فستظل تصريحات ما بعد الهزيمة جزءًا من الصراع على تفسير النتائج. أما إذا تبعتها قيود واشتراطات وقرارات تقلص احتمالات التورط، فسيكون ذلك بداية تعديل فعلي في إدارة التحالف.

لقد أظهرت الهزيمة أن السياسات المرتبطة بإسرائيل والحرب باتت قابلة للمحاسبة الانتخابية داخل الولايات المتحدة. والتحدي أمام البيت الأبيض الآن هو الاستجابة لناخب يريد أن يرى أثر صوته في ترتيب الأولويات. ومن هذه الزاوية، قد تبدأ إعادة رسم السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل: عبر سؤال الكلفة التي تقبل واشنطن دفعها، والحدود التي تضعها لحماية مصالحها.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى