البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك في حوار خاص لـ «مراسلين»: حرب السودان انفجار لبنية استعمارية مشوهة
كيف تشكلت الدولة السودانية بـ "العنف"، وكيف رسّخ الاستعمار "تفتيت الهوية"

شبكة مراسلين
حوار: مصعب محمد
يصعب اختزال المشهد السوداني الراهن في مجرد مواجهة عسكرية اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023؛ فالمشهد أعمق من ذلك بكثير.
ولتفكيك هذه الأزمة المعقدة، التقت شبكة مراسلين البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قطر، الذي يبحر بنا في هذا الحوار عبر دهاليز التاريخ السوداني، ليفكك الجذور الغائبة للأزمة الراهنة، مفسراً كيف تشكلت الدولة السودانية بـ “العنف” لا “بالتعاقد”، وكيف رسّخ الاستعمار الثنائي “تفتيت الهوية” و”تسييس الثوابت”، وصولاً إلى سيناريوهات مآلات الحرب الراهنة.
وفي حوار خاص مع شبكة «مراسلين» أكد أبو شوك أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 لا يمكن اختزالها في كونها مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، معتبراً أنها تمثل ذروة أزمة تاريخية ممتدة في بنية الدولة السودانية منذ نشأتها الحديثة.
وأرجع أبو شوك جذور الصراع إلى طريقة تأسيس الدولة السودانية ذاتها، التي قامت على العنف والسيطرة على الموارد لا على عقد اجتماعي جامع، مشيراً إلى أن الموقع الجيوسياسي للسودان — بإطلالته على البحر الأحمر وممرات التجارة والنيل وثرواته الطبيعية — جعله ساحةَ تنافس دولي وإقليمي متصاعد.
وأضاف أن الحرب أفرزت «اقتصاد الحرب»، حيث تتشابك مناطق النزاع باقتصاد الذهب وتجارة السلاح، في ظل تدخلات خارجية غير مسبوقة. وفارق أبو شوك بين هذه الحرب والنزاعات السابقة، إذ لم تفقد الدولة المركزية السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد كما يحدث اليوم.
وتاريخياً، رأى المؤرخ السوداني أن جذور الأزمة تعود إلى الغزو التركي المصري عام 1820، الذي أسّس دولةً قامت على الجباية لا الخدمة، ثم عمّقت الإدارة البريطانية الفوارق التنموية بين المركز والأطراف، فتركت دارفور وكردفان وشرق السودان خارج مسار التنمية، وفصلت الجنوب بقانون المناطق المقفولة.
وختم بالتأكيد على أن ما يشهده السودان اليوم ليس أزمةً طارئة، بل انفجار تراكمات تاريخية طويلة، تجلّت في اختلال العلاقة بين المركز والأطراف منذ تأسيس الدولة الحديثة.
وفيما يلي نص الجزء الأول من الحوار:
الجغرافيا المأزومة واقتصاد الحرب
● بينما يرى مراقبون أن الحرب الحالية مجرد صراع مسلح بدأ في أبريل 2023، يراها مؤرخون ذروة لانفجار أزمات بنيوية تراكمت منذ الاستقلال. من موقعكم كأستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر، كيف تقرأون الجذور التاريخية الغائبة لهذه الحرب؟
البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك: هذا سؤال تأسيسي لا غنى عنه. فمن التبسيط المخل والمشوه اختزال حرب 15 أبريل في أنها مجرد صراع بين جنرالين، أو مواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
الحرب في عمقها تعكس أزمة تراكمية حادة في مسار تأسيس الدولة السودانية، وهنا يجب أن نفرق علمياً بين “الدولة” بأركانها الثلاثة (الفضاء الجغرافي، الشعب المتعدد عرقياً وثقافياً، والسلطة السيادية)، وبين “الحكومة” بسلطاتها الثلاث (التنفيذية، التشريعية، والقضائية).
إن الجغرافيا السياسية للسودان لم تكن يوماً فضاءً طبيعياً محايداً أو ساكناً؛ بل هي التي تشكل طبيعة الصراع الحالي. نحن نتحدث عن دولة تطل على البحر الأحمر – مكمن الصراع الدولي حول الملاحة والتجارة والاستراتيجيات العسكرية – وتشكل جسراً يربط شمال إفريقيا العربي بمنطقة جنوب الصحراء، فضلاً عن احتضانها للمجرى الطبيعي لنهر النيل وروافده، وهو بحد ذاته محور صراع إقليمي مكتوم ومستمر.

لقد أفرز الواقع الحالي ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»؛ فبينما تستند الحكومة في الخرطوم إلى شرعية المؤسسات الدستورية والاعتراف الدولي، تفتقر إلى السيطرة الكاملة على الإقليم الغربي.
وفي المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة ترتبط باقتصاد الذهب والمعادن، مما فتح الباب لتجارة السلاح وجلب المرتزقة. وهنا أشير إلى أن الحديث الإعلامي عن “الفيلق الإفريقي” أو مجموعة “فاغنر” الروسية باعتبارهم مجرد مرتزقة هو رؤية تبسيطية؛ فهم يمثلون الذراع الاستراتيجية لروسيا في المنطقة.
هذا الصراع يتشابك أيضاً مع مهددات في شرق السودان بالانفصال، تزامناً مع أطماع قوى دولية (روسيا، والولايات المتحدة، والصين) وإقليمية (مثل دولة الإمارات) في موانئ البحر الأحمر.
ولذلك، فإن هذه الحرب تختلف جذرياً عن كل الحروب السابقة في السودان، حتى لو قارناها بحرب الجنوب؛ فالأخيرة لم تفقد فيها الدولة المركزية سيطرتها على الإقليم كما يحدث اليوم، فضلاً عن أن التدخلات الخارجية في الماضي كانت تتم استحياءً ومن وراء ستار، بينما تأخذ اليوم شكلاً مباشراً وفجاً.

التركة الاستعمارية وتأسيس «الدولة بالعنف»
● عندما نركن لبنية الدولة السودانية في التفسير؛ كيف أسهمت التركة الاستعمارية الثنائية في تشكيل أزمة الهوية الوطنية، ومركزية السلطة، وتهميش الأطراف؟ وهل نعيش اليوم ذروة انفجار هذه البنية؟
البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك: لكي نفهم هذا الخلل البنيوي، يجب العودة إلى كيفية نشأة الدولة السودانية الحديثة، والتي يعود تاريخها إلى فترة الحكم التركي-المصري وغزو محمد علي باشا عام 1820. قبل هذا التاريخ، لم يكن السودان بحدوده الحالية قائماً، بل كان عبارة عن سلطنات متداخلة ومنفصلة؛ كالسلطنة الزرقاء (الفونج) في السودان النيلي – وهو ما أُطلق عليه لاحقاً في الأدبيات السياسية «مثلث حمدي» – وسلطنة فور في الغرب، ومملكة تقلي في كردفان.
لم يأتِ محمد علي لبناء دولة مركزية تخدم السودانيين، بل جاء لخدمة مصالح مصر الاستراتيجية: التنقيب عن الذهب في جبال بني شنقول، وتجنيد السودانيين في الجيش المصري (والذين حاربوا لاحقاً في الشام وحتى في المكسيك)، وتأمين مورد مياه النيل؛ ولهذا السبب تم إلحاق جنوب السودان بالشمال.
إن النتيجة الجوهرية هنا هي أن الدولة السودانية لم تنشأ نشأة طبيعية من القاع قائمة على تضامن مجتمعي أو تعاقد سياسي، بل قامت على العنف والاستحواذ في جباية الضرائب والحصول على الموارد. طوال العهد التركي، لم تُبنَ مؤسسات خدمية في التعليم أو الصحة كما حدث في مصر، بل كان السودان مجرد رافعة اقتصادية للدولة الغازية. وعندما قامت الدولة المهدية، مارست هي الأخرى العنف بأشكال مختلفة لضمان استمرارية السلطة، ولم تقدم عقداً اجتماعياً حقيقياً يربط المواطن بالدولة.

المستعمر البريطاني وترسيخ التهميش
وجاء الحكم الإنجليزي – المصري (الثنائي) عام 1899 مدفوعاً بمسارات الاقتصاد الرأسمالي الباحث عن المواد الخام والعمالة الرخيصة والأسواق الاستهلاكية.
لقد حُسمت معركة “إعادة احتلال السودان” في إطار الصراع الإمبريالي بين بريطانيا (التي أرادت النفوذ من القاهرة إلى كيب تاون) وفرنسا (من داكار إلى جيبوتي)، وهو ما تجلى في “حادثة فشودة” الشهيرة.
أهمل المستعمر البريطاني التنمية المتوازنة، وركز على تطوير “المنطقة النيلية” (الوسط) لأنها تحقق عائداً ربحياً سريعاً يخدم مصانع النسيج في “لانكشير”البريطانية ؛ فأنشأ مشروع الجزيرة، ومشاريع دلتا طوكر والزيداب، وربطها بشبكات السكك الحديدية ومؤسسات التعليم (مثل كلية غوردون التذكارية) لخدمة مناطق الإنتاج والتصدير. وفي المقابل، تُرِك الغرب (دارفور وكردفان) كفضاءات رعوية مهملة، مما ولّد باكراً شعوراً حاداً بالتهميش لدى الأطراف.
وفي الجنوب، عمّق المستعمر الفجوة عبر “قانون المناطق المقفولة” عام 1922، وسياسة “ماكمايكل” عام 1930؛ حيث فُصِل الجنوب عن الشمال، ومُنِع الشماليون من زيارته، واستُبدِلت اللغة العربية بالإنجليزية، وتُرِكت الخدمات للبعثات التبشيرية.
هذا الخلل البنيوي في توزيع السلطة والثورة انفجر عشية الاستقلال؛ فعندما أُنشئت “لجنة سودنة الوظائف” عام 1954، نال الجنوبيون 6 وظائف فقط مقابل 115وظيفة للطبقة المتعلمة من شمال السودان وجميعها كانت الوظائف التي شغلها البريطانيون، ونتيجة لغياب التنمية المتوازنة ورفض مطالب الجنوبيين بالحكم الفيدرالي، اندلعت الشرارة الأولى للحرب الأهلية في “توريت” عام 1955 قبيل إعلان الاستقلال.
ولم تكن الأطراف الأخرى بعيدة عن هذا المشهد؛ إذ سرعان ما تحولت الحركات المطلبية السلمية – كمؤتمر البجا في الشرق، وحركة نهضة دارفور في الغرب، واتحاد جبال النوبة – إلى حركات مسلحة بسبب عدم تعامل الدولة المركزية مع مطالبها بطريقة موضوعية. وما نعيشه اليوم ليس إلا ذروة الانفجار لهذا التراكم التاريخي وعدم الاتزان البنيوي بين المركز والأطراف.



