إسكات الصحفيات رقميًا.. كُلفة اقتصادية خفية
ما وراء الإساءة الإلكترونية.. كلفة العنف الرقمي على الأسواق والاستثمار

شبكة مراسلين
تقرير: بارعة جمعة
في كل عام، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة محملاً بشعارات كبيرة عن الشفافية والمساءلة وحق الجمهور في المعرفة، لكن خلف هذه الشعارات تتشكل أزمة أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً، وهي العنف الرقمي المتصاعد ضد الصحفيات، الذي لا يهدد حرية التعبير فحسب، بل يترك بصماته العميقة على الاقتصاد العالمي نفسه.
الإعلام ركيزة اقتصادية لا مجرد ناقل للأخبار
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإساءة عبر الإنترنت، من تحرش وتشويه سمعة وتزييف عميق، قضيةٌ اجتماعية أو حقوقية بحتة.
غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية، وهي أن الإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو أحد أعمدة البنية الاقتصادية الحديثة.
وعندما تتعرض فئة كبيرة من العاملين فيه للترهيب المنهجي، فإن النتيجة الحتمية هي تراجع جودة المعلومات، وهو ما ينعكس مباشرةً على الأسواق والاستثمار.
الرقابة الذاتية.. مؤشر على خلل هيكلي في بيئة العمل الإعلامي
الأرقام مقلقة؛ إذ تلجأ نسب مرتفعة من الصحفيات اليوم إلى الرقابة الذاتية، سواء على منصات التواصل أو داخل غرف الأخبار، وهذا ليس مجرد استجابة فردية للخوف، بل مؤشر على خلل هيكلي في بيئة العمل الإعلامي.
فعندما تبدأ الصحفية في تجنب موضوعات حساسة أو تقليل حضورها العام تفادياً للهجمات، فإن الخسارة لا تكون شخصية فحسب، بل جماعية؛ إذ إن كل قصة لم تُنشر، وكل ملف فساد لم يُفتح، هو فجوة معلوماتية تتسع في السوق.
غياب المعلومات الموثوقة يُغذي الشائعات ويرفع تكلفة القرار
الاقتصاد بطبيعته لا يحب الفراغ؛ ففي غياب المعلومات الموثوقة تنتعش الشائعات، وتزداد التقلبات، وترتفع تكلفة اتخاذ القرار.
كما أن المستثمرين يعتمدون على بيئة شفافة يمكن فيها تقييم المخاطر بدقة، وإذا تآكلت هذه الشفافية نتيجة إسكات الأصوات الصحفية، كانت النتيجة بيئةً أقل جاذبية للاستثمار وأكثر عرضةً للأزمات.

نزيف رأس المال البشري.. الكلفة غير المرئية للعنف الرقمي
ثمة كلفة غير مرئية لكنها باهظة، وهي الصحة النفسية. فعندما تُظهر البيانات أن نسباً ملحوظة من الصحفيات يعانين من القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بسبب العنف الرقمي، فإننا أمام نزيف بطيء في رأس المال البشري.
وهذا النزيف لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات التي تفقد خبرات تراكمت عبر سنوات، وإلى اقتصادات تخسر كفاءات يصعب تعويضها.
الاقتصاد الرقمي في خطر.. إفلات من العقاب وثقة متآكلة
المفارقة اليوم أن هذا التصعيد في العنف الرقمي يأتي في وقت يتوسع فيه الاقتصاد الرقمي عالمياً؛ إذ تحولت المنصات التي فتحت آفاقاً جديدة للإعلام في كثير من الأحيان إلى بيئات غير آمنة.
ومع غياب تشريعات فعّالة في عدد كبير من الدول، تتكرّس حالة من الإفلات من العقاب تشجع على المزيد من الانتهاكات. والنتيجة ثقة متآكلة في الفضاء الرقمي، وهو ما يهدد أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم.
التكيّف مع الإساءة.. قبول ضمني بتقليص مساحة الحقيقة
الأخطر من ذلك هو التكيّف مع هذا الواقع؛ حين يصبح من “الطبيعي” أن تتعرض الصحفيات للإساءة وأن يفرضن على أنفسهن قيوداً غير مكتوبة، فإننا نكون قد قبلنا ضمنياً بتقليص مساحة الحقيقة.
وهذا القبول لا يمر دون ثمن، فالتاريخ الاقتصادي يُظهر بوضوح أن المجتمعات التي تضعف فيها حرية الصحافة تعاني غالباً من ارتفاع معدلات الفساد وسوء الإدارة.
الصحافة الحرة بنية تحتية غير مرئية تدعم الأسواق
لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن فئة مهنية بعينها، بل بحماية منظومة كاملة تقوم على تدفق المعلومات. فالصحافة الحرة ليست رفاهية ديمقراطية، بل بنية تحتية غير مرئية تدعم الأسواق وتحد من المخاطر وتعزز الثقة.
وعندما تتعرض هذه البنية للتآكل، سواء بالرصاص في مناطق النزاع أو بالكلمات المسيئة على الشاشات، فإن الاقتصاد بأكمله يصبح أكثر هشاشة.
السؤال الحقيقي إذن ليس: كيف نحمي الصحفيات من العنف الرقمي؟ بل: هل يمكن للاقتصاد العالمي أن يتحمّل كلفة تجاهل هذه القضية؟



