إسرائيل بعد الحرب: مجتمع خائف من مستقبله

قراءة تحليلية واستشرافية في استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي
بقلم: أبوبكر إبراهيم أوغلو
مقدمة
لا تقتصر وظيفة استطلاعات الرأي في إسرائيل، خلال فترات الحرب والأزمات الكبرى، على رصد اتجاهات الجمهور فحسب، بل إنها تنفتح على البنية العميقة لصناعة القرار: ما مخاوف المجتمع؟ من يحظى بثقته؟ أي الجبهات تبدو أكثر خطورة؟ وكيف يمكن للمزاج العام أن يوجّه خيارات صانع القرار السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة؟
من هذا المنظور، تتجاوز نتائج استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (أبريل/مايو 2026) كونه مجرد قياس دوري للرأي العام، لتصبح وثيقة سياسية-نفسانية ترسم ملامح إسرائيل وهي تخرج من جولات تصعيد متعددة، دون أن تطمئن إلى دخول مرحلة استقرار حقيقي. يتناول التقرير، المنشور على موقع المعهد، مواقف الإسرائيليين من الجيش، القيادة السياسية، إيران، غزة، لبنان، سوريا، الضفة الغربية، والشأن الداخلي.
أولاً: ثقة بالجيش وأزمة في السياسة
أبرز ما تكشفه النتائج استمرار الهوّة العميقة بين الثقة العالية بالمؤسسة العسكرية وانعدام الثقة النسبي بالمستوى السياسي. فالإسرائيليون، وفق الأرقام، يمنحون الجيش، وسلاح الجو، ورئيس الأركان درجات ثقة مرتفعة، بينما تبقى الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو محدودة ومنقسمة بشدة بين مؤيدي الائتلاف والمعارضة.
هذه المعادلة ليست هامشية؛ بل تعني أن المجتمع الإسرائيلي، رغم انقساماته الحادة، لا يزال يرى في الجيش “العمود الفقري” للأمن القومي، بينما ينظر إلى السياسة كمصدر للأزمة، أو على الأقل باعتبارها غير قادرة على تحقيق إجماع وطني. وهنا يكمن الخطر: حين تتآكل الثقة بالقيادة السياسية وتبقى الثقة بالجيش مرتفعة، يصبح القرار الأمني أكثر ميلاً للتغليب على القرار السياسي، أو يصير الجيش لاعباً محورياً في تشكيل خيارات الدولة، لا مجرد أداة تنفيذية.
استشرافياً، قد يؤدي هذا الخلل إلى مزيد من “عسكرة المجال العام” داخل إسرائيل. فالناخب، الذي لا يثق بالسياسيين كثيراً، قد يطالبهم بمواقف أكثر تشدداً لإثبات الجدارة الأمنية. وفي المقابل، قد تجد القيادة السياسية نفسها مضطرة لتبني خيارات تصعيدية أو أمنية قاسية، هرباً من تهمة الضعف.
ثانياً: إيران – مركز القلق الاستراتيجي
تبرز إيران في الاستطلاع باعتبارها الجبهة الأكثر إثارة للقلق لدى الإسرائيليين. وهذا ليس مستغرباً في ضوء التصعيدات الأخيرة، لكنه بالغ الأهمية من حيث دلالاته المستقبلية. فحين يعتقد جزء واسع من الجمهور أن المواجهة مع إيران قد تتجدد خلال أشهر، فإن ذلك يخلق بيئة سياسية مهيأة لتقبّل الضربات الاستباقية، أو على الأقل للقبول باستمرار حالة التعبئة الأمنية.
الخطر هنا أن إسرائيل قد لا تنتظر بالضرورة وقوع تهديد مباشر حتى تتحرك. المزاج العام الذي يصنف إيران تهديداً دائماً يمنح القيادة هامشاً أوسع للتحرك عسكرياً أو استخباراتياً، سواء داخل إيران أو ضد أذرعها الإقليمية. لكن هذا الهامش ليس بلا كلفة؛ فكلما زاد القلق الشعبي من إيران، ارتفعت احتمالات الخطأ في التقديرات، خاصة إذا اجتمعت الضغوط الداخلية مع رغبة القيادة السياسية في ترميم صورتها.
من منظور عربي، ينبغي قراءة هذا المؤشر بجدية. فالتصعيد مع إيران لا يبقى محصوراً بين تل أبيب وطهران، بل يمتد إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة، ويضع المنطقة أمام احتمالات جولات توتر متقطعة بدلاً من حرب شاملة واحدة.
ثالثاً: غزة – بين استحالة الحسم ومأزق اليوم التالي
في ملف غزة، تكشف النتائج عن مأزق إسرائيلي شديد التعقيد. فالجمهور غير راضٍ عن طريقة تنفيذ وقف إطلاق النار، لكنه في الوقت نفسه منقسم حول الجهة القادرة على نزع سلاح حماس أو إدارة المرحلة المقبلة. بعضهم يراهن على الجيش وحده، وبعضهم يرى أن تفكيك حماس غير واقعي، وآخرون يفضلون قوة عربية أو متعددة الجنسيات، بينما لا تحظى السلطة الفلسطينية بثقة كبيرة في هذا الملف.
تعني هذه الأرقام أن إسرائيل لم تنتقل بعد من سؤال “كيف نضرب حماس؟” إلى سؤال “من يدير غزة؟”. وما لم تجب إسرائيل، والأطراف الإقليمية والدولية، عن هذا السؤال، ستظل غزة ساحة مفتوحة لدورات متكررة من التصعيد والهدن المؤقتة.
استشرافياً، يمكن القول إن غزة مرشحة لثلاثة سيناريوهات:
- استمرار إدارة أمنية إسرائيلية غير مباشرة مع عمليات موضعية متكررة.
- محاولة فرض صيغة دولية أو عربية لإدارة القطاع، وهي صيغة ستواجه مقاومة سياسية وشعبية كبيرة ما لم ترتبط بأفق سياسي فلسطيني واضح.
- عودة تدريجية لحكم أمر واقع محلي، سواء عبر حماس أو ترتيبات هجينة لا تعلن نفسها صراحة.
الأخطر أن غياب الإجماع الإسرائيلي حول “اليوم التالي” لا يعني غياب القوة، بل يعني استخدام القوة من دون رؤية سياسية نهائية.
رابعاً: لبنان وسوريا – حدود مشتعلة بلا حرب شاملة
في لبنان، يبدو الجمهور الإسرائيلي أكثر رضا عن وقف إطلاق النار مقارنة بغزة، لكنه لا يشعر بالأمان الكامل في الشمال. هذه المفارقة مهمة: الرضا عن الهدوء لا يلغي الاستعداد للعودة إلى القتال إذا شعر سكان الشمال بأن حزب الله لا يزال قادراً على تهديدهم.
أما في سوريا، فإن تأييد قطاعات واسعة من الجمهور لبقاء الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري يعكس تحولاً أعمق في التفكير الأمني الإسرائيلي. لم تعد إسرائيل تكتفي بفكرة “الردع من الحدود”، بل تتجه نحو “الهندسة الأمنية لما وراء الحدود”: السيطرة على مساحات عازلة والتأثير المباشر في الجغرافيا المحيطة.
هذا الاتجاه يحمل مخاطر كبيرة على سوريا والمنطقة. فكلما ترسخ الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري، صعُبت العودة إلى الوضع السابق، وتحولت الإجراءات المؤقتة إلى أمر واقع. ومن المرجح أن تستغل إسرائيل أي ضعف في الدولة السورية أو أي ارتباك إقليمي لتثبيت هذا الواقع أطول فترة ممكنة.
خامساً: الضفة الغربية – الجبهة المؤجلة
تظهر الضفة الغربية في الاستطلاع كساحة قلق مرتفع، لكنها في الخطاب السياسي الإسرائيلي تبدو أحياناً أقل حضوراً من إيران وغزة ولبنان. وهذا قد يكون خادعاً. فالضفة ليست جبهة خارجية، بل مساحة تماس مباشر بين الاحتلال، المستوطنين، السلطة الفلسطينية، والفلسطينيين الخاضعين لسيطرة أمنية يومية.
اللافت أن نسبة معتبرة من الجمهور ترى أن المؤسسة الأمنية تتساهل مع العنف القومي اليهودي في الضفة، في الوقت الذي تؤيد فيه أغلبية خطوات مرتبطة بتوسيع الاستيطان أو إعادة ترتيبات في شمال الضفة. هذا التناقض يكشف ازدواجية إسرائيلية واضحة: رفض مظاهر الفوضى حين تهدد صورة الدولة أو سيطرتها، مع قبول التوسع الاستيطاني حين يُقدَّم بصفته قراراً أمنياً أو سياسياً رسمياً.
استشرافياً، الضفة قد تكون المرشح الأخطر لانفجار مفاجئ. فالتوسع الاستيطاني، ضعف السلطة الفلسطينية، تصاعد عنف المستوطنين، وانسداد الأفق السياسي، كلها عناصر تجعل الضفة ساحة قابلة للاشتعال، حتى لو لم تكن في صدارة العناوين اليومية.
سادساً: الداخل الإسرائيلي – الانقسام لم يعد سياسياً فقط
لا يقل الداخل الإسرائيلي خطورة عن الجبهات الخارجية. فالاستطلاع يعكس انقساماً حاداً حول نتنياهو، الخدمة العسكرية للحريديم، العنف في المجتمع العربي، ودور الشاباك في الملفات الداخلية. هذه القضايا لا تمس الأمن بمعناه التقليدي فقط، بل تنخرط في العقد الاجتماعي داخل إسرائيل.
قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، مثلاً، تضرب في قلب معادلة “العبء المشترك” التي قامت عليها دولة إسرائيل لعقود. وإذا شعر جزء كبير من المجتمع بأن فئات معينة تتمتع بالحماية السياسية والدينية دون المشاركة في كلفة الحرب، فسيزيد ذلك التوترات بين العلمانيين والمتدينين، وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
أما العنف داخل المجتمع العربي في إسرائيل، وتأييد تدخل الشاباك فيه، فيفتحان باباً حساساً للغاية: تحويل مشكلة اجتماعية-جنائية إلى ملف أمني. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الشكوك بين المواطنين العرب والدولة، خصوصاً إذا غاب الاستثمار الحقيقي في العدالة والمساواة والتنمية.
المعنى الأوسع: إسرائيل تبحث عن أمن بلا سياسة
الخلاصة الأهم التي يقدمها هذا الاستطلاع هي أن إسرائيل ما تزال تفكر في أمنها بأدوات عسكرية أكثر من تفكيرها بأدوات سياسية. الجمهور يثق بالجيش، يخاف من إيران، لا يطمئن إلى غزة، يريد ترتيبات أمنية في لبنان وسوريا، وينقسم داخلياً حول القيادة والهوية والخدمة العسكرية.
لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الأرقام: هل تستطيع إسرائيل تحقيق أمن طويل المدى عبر القوة وحدها؟
التجربة تقول إن التفوق العسكري قد يردع، لكنه لا يحل. قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه. وقد يمنح الجمهور شعوراً مؤقتاً بالثقة، لكنه لا يصنع سلاماً ولا استقراراً إذا بقيت القضايا السياسية بلا حلول.
استشراف المرحلة المقبلة
خلال الأشهر المقبلة، يمكن توقع أربعة اتجاهات رئيسية:
- استمرار التركيز الإسرائيلي على إيران، سواء عبر التحضير العسكري، أو العمليات الاستخباراتية، أو الضغط الدولي، مع بقاء احتمال التصعيد قائماً.
- بقاء غزة في حالة هشاشة، بين وقف إطلاق نار ناقص، وعمليات أمنية متقطعة، وصراع دولي-إقليمي حول الجهة القادرة على إدارة القطاع.
- محاولة إسرائيل تثبيت وقائع أمنية جديدة في جنوب سوريا وعلى الحدود اللبنانية، تحت عنوان منع التهديد قبل وصوله إلى الحدود.
- تصاعد التوتر الداخلي الإسرائيلي، خصوصاً حول نتنياهو، الحريديم، مكانة الجيش، ودور الأجهزة الأمنية في المجتمع.
هذه الاتجاهات تعني أن المنطقة لا تدخل مرحلة “ما بعد الحرب” بقدر ما تدخل مرحلة “إدارة الحروب المؤجلة”. فالجبهات قد تهدأ، لكنها لا تُحل. والتهدئة قد تستمر، لكنها تبقى قابلة للانهيار عند أول خطأ في التقديرات.
خاتمة
يكشف استطلاع معهد دراسات الأمن القومي أن إسرائيل ليست دولة مطمئنة بعد الحرب، بل دولة قلقة رغم قوتها، منقسمة رغم تعبئتها، وواثقة بجيشها أكثر من قيادتها السياسية. وهذا النوع من القلق قد يدفعها إلى مزيد من الحذر، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى مزيد من المغامرة.
بالنسبة للعالم العربي، لا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام كمسألة إسرائيلية داخلية فقط. بل هي مؤشرات مبكرة على اتجاهات القرار الإسرائيلي في غزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران. ومن يقرأ المزاج الإسرائيلي جيداً، يستطيع أن يفهم إلى أين يمكن أن تتحرك المنطقة، لا فقط أين تقف اليوم.



