
شبكة مراسلين
تواجه دار أوبرا متروبوليتان في نيويورك، أحد أعرق الصروح الثقافية في العالم، تهديداً وجودياً بعد إعلان انسحاب الحكومة السعودية من اتفاق تمويل ضخم كان يُنظر إليه كطوق نجاة للمؤسسة.
ويخلف هذا القرار عجزاً مالياً فورياً يقدر بنحو 30 مليون دولار، مع مخاوف من تزايد الفجوة التمويلية في السنوات المقبلة، مما يضع الدار أمام خيارات صعبة للحفاظ على استمراريتها الفنية وتوازنها المالي.
تداعيات الحرب على إيران وإلغاء اتفاق الـ 200 مليون دولار
أوضح بيتر غيلب، المدير العام للدار، أن القرار السعودي جاء نتيجة تداعيات الحرب على إيران وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي، لا سيما تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
ووفقاً لغيلب، فقد دفعت هذه الظروف الجيوسياسية الرياض إلى تقليص إنفاقها على المشاريع غير الأساسية والتركيز على الأولويات الاستراتيجية، مما أدى لإجهاض الاتفاق الذي كان يقضي بتقديم 200 مليون دولار على مدى ثماني سنوات مقابل عروض سنوية للدار في “دار الأوبرا الملكية بالدرعية”.
أزمة سيولة خانقة وخيارات “البيع” المرة
منذ إعادة فتح أبوابها بعد جائحة كوفيد-19، تعاني “متروبوليتان أوبرا” من تراجع حاد في إيرادات التذاكر والعروض السينمائية، حيث باتت تغطي ثلث الميزانية فقط. ولتجنب الإفلاس، تدرس المؤسسة خيارات غير مسبوقة، تشمل:
- بيع حقوق تسمية مبنى الدار التاريخي في نيويورك.
- بيع لوحتين جداريتين للفنان العالمي مارك شاغال مع إبقائهما في مكانهما.
- السحب من الصندوق الاستثماري الذي تراجعت قيمته من 340 مليوناً إلى 216 مليون دولار منذ عام 2022.
تراجع التصنيف الائتماني وضغوط الديون
لم تتوقف الأزمة عند نقص السيولة، بل امتدت لتشمل الجانب الائتماني؛ حيث خفضت وكالة موديز تصنيف المؤسسة ثلاث مرات خلال عام واحد.
ومع اقتراب استحقاق خط ائتماني بقيمة 62 مليون دولار في فبراير 2027، باتت الدار تراهن على تبرعات كبرى تتجاوز 100 مليون دولار، يُخشى أن يتأخر وصولها، مما قد يضطر الإدارة لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية تشمل خفض الرواتب وتقليص عدد العروض في المواسم المقبلة.
التوفيق بين النجاح الفني والاستدامة المالية
رغم الأزمة المالية القاتمة، أشار غيلب إلى أن الدار تحقق نجاحات فنية لافتة هذا الموسم مع إقبال جماهيري كبير على العروض الحية.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأساسي هو كيفية الحفاظ على جودة الإنتاج الأوبرالي، الذي يُعد من أكثر الفنون كلفة في العالم، في ظل غياب التمويل الاستراتيجي الذي كان من المفترض أن تؤمنه الصفقة السعودية، وهو ما يضع “المتروبوليتان” في رحلة بحث محمومة عن مانحين جدد لإنقاذ أرثها الفني.
خسارة ثقافية متبادلة بين نيويورك والدرعية
كان من شأن الاتفاق المُلغى أن يمنح السعودية حضوراً ثقافياً عالمياً من خلال استضافة عروض المتروبوليتان لمدة ثلاثة أسابيع سنوياً في فبراير، وهي الخطوة التي كانت ستعزز من مكانة “الدرعية” كوجهة ثقافية ناشئة.
وبانهيار هذا التعاون، لا تقتصر الخسارة على الجانب المالي لنيويورك فحسب، بل تمتد لتشمل جسور التواصل الثقافي التي كانت تهدف الصفقة لبنائها بين الشرق والغرب عبر بوابة الفن الأوبرالي.



