مقالات

“إعدام تحت غطاء القانون”

صمت العالم وحبل المشنقة

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

بقلم: نسمه العبدالله

تارةً يبدو إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين أمرًا بدأ تنفيذه فعليًا، وتارةً أخرى يبدو انتظارًا طويلًا يسبق مشهدًا أكثر رعبًا.

عصبة على العينين، يدان مقيدتان، وبدلة حمراء تُلبس للأسير قبل لحظاته الأخيرة. مشهد يبدو وكأنه مقتطع من أكثر القصص قسوة، لكنه اليوم يُطرح كقانون يراد له أن يكون “شرعيًا”. لا أعلم إن كان سيكون هناك شيخ لتلقين الشهادتين، أم سيكون مجرد إعدام كما يحدث يوميًا في الميدان، دون إذن، دون رحمة، ودون أثر.

ينص القانون على إعدام الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين إذا اعتُبر الفعل “عملًا إرهابيًا” من قبل المحكمة العسكرية، أو إذا كان الدافع إنكار دولة “إسرائيل”. أما تنفيذ الحكم، فيُسند إلى ضابط سجون ملثم “لحماية هويته”، وكأن إخفاء الوجه يلغي الجريمة، أو يمنح القاتل حصانة أخلاقية وإنسانية. الحقيقة أن إخفاء الهوية ليس سوى محاولة لضمان استمرار الجرم دون حساب أو عقاب.

وسط هذا كله، يقف العالم صامتًا.

صمتٌ ثقيل يمكن سماعه في صرخات الأمهات، في بكاء الأخوات، في قهر الآباء، وفي أمنيات الأطفال الذين ينتظرون عودة أحبّتهم من خلف القضبان. وجع الفلسطينيين يتفاقم يومًا بعد يوم. لم يعد الاحتلال يكتفي بالإعدام الميداني بحجة الحفاظ على الأمن والسيادة ومنع “الإرهاب”، بل يسعى اليوم إلى تقنين القتل ومنحه غطاءً قانونيًا يفتح الباب أمام مزيد من الدماء.

كم أمّ انتظرت ابنها بعد سنوات طويلة من الأسر، تحصي الأيام على أمل عودته؟

وكم زوجة عاشت سنوات الفراق وهي تنتظر لحظة لقاء مؤجلة؟

وكم طفل حلم بأن يحتضن والده للمرة الأولى بعد تحرر نطفة من سجون القهر والقتل والإرهاب؟

أن يصبح “إنكار دولة إسرائيل” سببًا للحكم بالإعدام، فهذه ليست عدالة، بل محاولة لفرض الخضوع بالقوة. فمن قال إن الفلسطيني يعترف بدولة قامت على الاحتلال والاقتلاع والقتل؟ ومن منح المحتل حق إنهاء حياة إنسان فقط لأنه يرفض الاستبداد ويتمسك بحقه في أرضه وحريته؟

ما يحدث اليوم ليس مجرد قانون جديد، بل مرحلة أكثر خطورة في تاريخ القمع بحق الأسرى الفلسطينيين. مرحلة تُشرعن فيها الوحشية علنًا أمام عالم يبدو وكأنه فقد القدرة على الرؤية أو السماع أو حتى الكلام. تتحول القضية أحيانًا إلى مادة للترند والمشاهدات، وتصبح آلام الأسرى خبرًا عابرًا في زحمة المحتوى، بينما تستمر معاناتهم الحقيقية خلف الجدران الباردة.

الأسير الفلسطيني ليس رقمًا، وليس خبرًا عابرًا.

الأسير يعني تضحية مستمرة، وقيدًا يتحمله نيابة عن شعب كامل، وحزنًا يعيشه ليمنح غيره فرصة للحياة والحرية. فكيف يُترك وحيدًا في مواجهة ظلم الاحتلال ووحشية عالم بات يتعامل مع المأساة بلامبالاة مؤلمة؟

تبقى الحقيقة الأشد قسوة أن الإنسانية نفسها تبدو اليوم في حالة احتضار، حين يصبح القتل قانونًا، والصمت الدولي شريكًا في الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews