اقتصادمال و أعمالمصر

مصر: مؤشر مكافحة الفساد.. تراجع معدلات “الرشوة” يقابله بيروقراطية تربك قطاع الأعمال

كيف تلتف البيروقراطية المصرية على الرقابة الرقمية من النقد إلى الهدايا والتوظيف؟

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

كشف أحدث القراءات الإحصائية والمسوح الهيكلية الخاصة ببيئة الأعمال في مصر عن معادلة مركبة ومثيرة للجدل؛ فبينما تسجل البلاد تراجعاً ملحوظاً وملموساً في معدلات طلب الرشوة المباشرة من الشركات مقارنة بالمحيط الإقليمي بفضل التوسع في البرامج الرقمية، لا تزال المؤشرات الدولية والتقييمات المحلية تضع مصر في مرتبة متأخرة نسبياً على صعيد الشفافية والنزاهة المؤسسية العامة.

هذا التباين يضع راسمي السياسات الاقتصادية أمام تحدٍ بنيوي يتمثل في كيفية تحويل “التحسين الإجرائي الرقمي” إلى “إصلاح مؤسسي مستدام” قادر على دفع عجلة الاستثمار.

مؤشرات البنك الدولي: تحسن تدريجي يتفوق على المتوسط الإقليمي

أظهرت أحدث البيانات المتاحة للبنك الدولي لمسح الشركات في مصر، والمنشورة ضمن قاعدة بيانات “إنتربرايز سيرفيز” (Enterprise Surveys) خلال عام 2025، أن نسبة الشركات التي تعرضت لطلب رشوة مباشرة أثناء تعاملها مع الجهات الحكومية قد انخفضت لتصل إلى 3.1% فقط.
ويمثل هذا الرقم تفوقاً إيجابياً صريحاً عند مقارنته بمتوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، والذي يبلغ 13.2%.

ويُعنى هذا المؤشر بقياس نسبة الشركات التي تعرضت لطلب مدفوعات غير رسمية للحصول على الخدمات الأساسية كالتراخيص، والمرافق، والتعامل الضريبي.

ووفقاً للتفكيك الرقمي للمسح، جاءت البيانات على النحو التالي:

  • تراخيص البناء: تتوقع 16.8% من الشركات المصرية تقديم هدايا أو مدفوعات غير رسمية للحصول عليها، مقابل متوسط إقليمي لدول منطقة الشرق الأدنى يصل إلى 20.8%.
  • مسؤولو الضرائب: تراجعت نسبة الشركات المتوقعة لتقديم مدفوعات غير رسمية للمأمورين إلى 2% فقط، مقارنة بمتوسط إقليمي مرتفع يبلغ 12.4%.

ويعزو خبراء مركز الدراسات الاقتصادية هذا التحسن التدريجي إلى الاستراتيجية الحكومية القائمة على التوسع في برامج التحول الرقمي، وتطوير منصات التراخيص والتحصيل الإلكتروني، مما أسهم مباشرة في تقليص مساحة الاحتكاك المباشر والفيزيائي بين الموظف العمومي والمستثمر.

معضلة الشفافية الدولية: لماذا يختلف تقييم الخبراء؟

في المقابل، وعلى النقيض من تفاؤل أرقام البنك الدولي، أظهر مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2025 بقاء مصر في مرتبة متأخرة؛ حيث حصلت على 30 درجة من أصل 100، ليقع ترتيبها عند المرتبة 130 من بين 180 دولة ترصدها المنظمة.

وفي تبريرها لهذا التباين، أوضحت الخبيرة الاقتصادية، نادية المرشدي، أن الفجوة تعود بالأساس إلى “منهجية القياس”.
فبينما يرصد البنك الدولي التجربة المباشرة واليومية للشركات مع الرشوة الإجرائية، تعتمد منظمة الشفافية على تقييمات خبراء ورجال أعمال لمستويات الفساد في القطاع العام بشكل أوسع، بما يشمل الحوكمة، تضارب المصالح، النزاهة المؤسسية، وفعالية جهات الرقابة، وهي ملفات أشد تعقيداً من أن تُقاس بمجرد تراجع المعاملات النقدية غير القانونية.

البيروقراطية وتطور أساليب التكسب: تحدي الـ 18 جهة

تؤكد دراسات ربع سنوية صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن انخفاض معدلات الرشوة النقدية لا يعني بالتبعية اختفاء مظاهر الفساد الإداري؛ إذ لا تزال البيروقراطية وتعدد الجهات الرقابية التي تتخطى 18 جهة حكومية تمثل عبئاً ثقيلاً يحد من تنافسية الاستثمار.
ويواجه المستثمرون تحديات مستمرة تتمثل في طول الإجراءات، وارتفاع تكاليف الامتثال الإداري للحصول على الموافقات.

هذا الحصار الرقابي والبيروقراطي دفع بأساليب طلب الرشوة إلى “التطور والتحور” للالتفاف على الرقابة المفروضة؛ وحسب شهادات أعضاء بجمعية رجال الأعمال المصريين، فإن الضغط الرقابي والرقمنة نقلا السلوك البيروقراطي من خانة “الدفع النقدي المباشر” إلى أنماط أخرى تشمل:

  • الهدايا العينية: كبديل آمن لا تتبعه مسارات ورقية أو رقمية.
  • التوظيف العائلي: طلب توظيف الأقارب في الشركات لتمرير المعاملات.

وتستغل بعض الفئات الإدارية حاجة المستثمر الملحة لإنجاز أعماله بسرعة، خشية تحمل تكاليف مالية إضافية ناتجة عن تأخير التراخيص، أو الوقوع في معضلات فنية مع تعدد الأجهزة الرقابية.

الرؤية الاستراتيجية لبيئة الأعمال

يجمع المحللون وخبراء الاقتصاد على أن تقليص التعامل المباشر عبر نوافذ التحول الرقمي قد نجح في كسر الحلقة الأولى من حلقات الفساد الصغير.
إلا أن الانتقال الاقتصادي نحو بيئة استثمارية جاذبة وشاملة يتطلب حزمة إصلاحات مؤسسية أوسع لا تقتصر على ميكنة الإجراءات، بل تمتد لتبسيطها هيكلياً، وتعزيز مبادئ المساءلة العامة وتكافؤ الفرص، لضمان ترجمة هذه القفزات الرقمية إلى نمو حقيقي ومستدام على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews