المثقف السوري التائه: ما الاستراتيجية الأنسب للتعامل مع الواقع المستجد؟
التكنوقراط السوري بين إرث الدولة وتحديات المرحلة الانتقالية

شبكة مراسلين
بقلم د. ساعود جمال ساعود
عاش التكنوقراطي السوري عقوداً طويلة تحت وطأة معادلة مركبة، حيث تعمد النظام السياسي السابق دمج وتذويب الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة وبنية السلطة السياسية والأمنية. هذا الدمج القسري جعل الموظف العام، والمهندس في وزارة الري، والطبيب في المستشفى الحكومي، والأستاذ الجامعي، يظهرون في عين العوام وكأنهم تروس في آلة السلطة، بينما هم في الحقيقة تروس في آلة البقاء المجتمعي. إن هذه الشريحة لم تكن تصنع السياسات العليا، بل كانت تمارس ما يمكن تسميته “عقلانية البقاء والتسيير”، وكان دافعها الأساسي منع انهيار السقف فوق رؤوس الجميع، ولذلك فإن محاكمتهم اليوم بأثر رجعي وفق معايير الولاء والمقاطعة هي محاكمة تفتقر للواقعية، فأن انحياز التكنوقراط للمؤسسة لم يكن انحيازاً لأشخاص، بل كان استجابة لغريزة حفظ الدولة ككيان قانوني واعتباري جامع يخص كل السوريين.
وعندما تتبدل موازين القوى وتفرض سلطات الأمر الواقع بمختلف أشكالها وتوجهاتها سيطرتها، يقع الكثير من التكنوقراط والمثقفين في فخ المواجهة الشعاراتية والمناكفة الأيديولوجية، وهو أسلوب لا يؤدي إلا إلى إقصائهم وتهميش خبراتهم، وصمهم فوراً بأنهم من مخلفات العهد البائد. إن الذكاء السياسي، والمسؤولية الوطنية، تقتضيان استبدال لغة الشعارات بالمسطرة والقانون؛ فسلطات الأمر الواقع غالباً ما تفتقر للشرعية القانونية والخبرة الإدارية وتعتمد على الولاءات الضيقة، ومواجهتها لا تتم بالشتائم السياسية بل بالمعايير الدولية للحوكمة، وبإظهار عجزها الهيكلي عن إدارة ملفات معقدة مثل الطاقة، والتعليم، والصحة، والمالية العامة. فعندما يتحدث التكنوقراطي بلغة الأرقام والخطط الاستراتيجية، فإنه ينقل المعركة من مساحة الغلبة العسكرية إلى مساحة الكفاءة المؤسساتية التي يمتلك فيها اليد العليا.
من هنا، يبرز التكنوقراط ككتلة حرجة وحيوية في حسابات الفاعلين الدوليين والإقليميين الذين يهدفون إلى تثبيت الاستقرار؛ فالأمم المتحدة والمانحون يدركون جيداً خطورة سيناريوهات الاجتثاث الأعمى للمؤسسات وما تسببه من فوضى عارمة وانهيار شامل للمجتمع وظهور الإرهاب العابر للحدود. وفي هذا السياق يكمن الوزن الاستراتيجي للتكنوقراط السوري، فهم ليسوا مجرد موظفين، بل هم مستودع الذاكرة المؤسساتية للدولة، والذين يملكون خرائط شبكات البنية التحتية، وسجلات النفوس، وقوانين التشريع المالي. ومن خلال تقديم أنفسهم ككتلة استقرار، يصبحون الطرف الذي لا يمكن تجاوزه في أي عملية انتقال سياسي أو إعادة إعمار، وصمام الأمان الذي يضمن عدم انزلاق البلاد نحو التفتت الكامل.
ولكي يتحول التكنوقراط من موقع الدفاع والاعتذار عن الماضي إلى موقع الصدارة، يتعين عليهم صياغة مشروع وطني يتجاوز شخوص الماضي وعيوب الحاضر عبر ممارسات واضحة؛ تبدأ بالقطيعة المعرفية والسياسية مع المنظومات الشمولية الراحلة، والإقرار الصريح بأنها لم تلبِّ طموحات السوريين لاستعادة المصداقية الشعبية. كما يتطلب الأمر طرح مشاريع وتخطيط تنموي عابر للمناطق والخطوط العسكرية يركز على اللامركزية الإدارية الحكيمة، مع التمسك الصارم بدولة القانون والمواطنة الدستورية واستقلال القضاء كشرط أساسي لحماية العمل التكنوقراطي من التسييس، وصولاً إلى تنظيم صفوفهم في كتل وتجمعات مهنية ونقابات مستقلة ومراكز أبحاث لفرض أنفسهم كشريك تفاوضي ومؤسساتي في المحافل الدولية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه التكنوقراطي السوري في المؤتمرات واللقاءات السياسية القادمة هو التحرر من غريزة التبرير؛ فلا يحتاج التكنوقراطي المحترف إلى تبرير بقائه في منصبه خلال سنوات الحرب، فالخدمة العامة في ظروف الصراع هي عمل وطني بطبيعته لحماية المجتمع من التحلل، بل يجب أن يكون الهجوم اليوم إيجابياً وبالرؤية والمشروع. إن طي صفحة الاستقطاب الحاد يتطلب عقلية تسامحية تبتعد عن التشفي والإقصاء، وفي الوقت ذاته ترفض إعادة إنتاج الاستبداد بمسميات جديدة. إن التكنوقراط السوري اليوم، بخبرته الميدانية وعلاقاته المؤسساتية وتجرد أدائه، هو الجسر الوحيد المتبقي للعبور بسوريا من مستنقع الحروب وسلطات الغلبة العسكرية إلى بر الأمان الدستوري، وهو المهندس الأول لسوريا المستقبل إن أحسن التموضع وصياغة خطابه للداخل والخارج.



