تقارير و تحقيقاتثقافة وفن

هل مرت الجازية من هنا؟التي قالت يوما ” الفارس لا يهزم الرجال ،، بل يهزم نفسه”

رحلة بين أطلال جبل بوهلال وذاكرة بني هلال

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

مولود سعد الله

في ولاية المسيلة الجزائرية بقرية الضلعة بالتحديد ، قد لا تجد جوابا وأنت تصعد نحو قمة جبل بوهلال ، لكنك ستعود بأسئلة أكثر مما حملته معك ، فبعض الاماكن لا تحتاج الى دليل سياحي بالقدر الذي تحتاج من يصغي إليها ،،
فكل خطوة بين الصخور تقودك إلى أطلال بيوت قديمة وجدران هزمها الزمن ولم يهزمها النسيان، كأنها صفحات من كتاب نزعت منه معظم اوراقه ، هناك أعلى الجبل بناءين حجريين ما يزالان يقاومان فوق القمة كأنهما يرفضان الاندثار ويبقيا شاهدان على زمن مر وقصص لم تروى ، فهناك يلامس الصمت السماء وتنبسط قرية الضلعة وماجاورها تحت ناظريك .

تقف تنظر إلى الضلعة وما حولها ثم تسرح بعينيك بين الحجارة المبعثرة، فتبدأ الأسئلة في التزاحم ، من عاش هنا؟ لماذا اختار الناس هذه القمة الوعرة؟ وما الذي جعلها تحتفظ بكل هذا الغموض حتى اليوم؟

التاريخ يقول شيئ وتقول الذاكرة الشعبية شيئا آخر ، وبين الاثنين يقف جبل بوهلال شاهدا صامتا كحارس قديم يراقب السهول شاهدا على زمن مضى وعلى حكايات ما تزال تتردد بين الناس ، بعضها وثقته الأوراق وبعضها لم يحفظه سوى لسان الرواة.

كثير من سكان المنطقة يربطون اسم “بوهلال” بقبائل بني هلال العربية، التي خرجت من نجد في القرن الخامس الهجري واتجهت نحو المغرب العربي، تاركة أثرا عميقا في تاريخ المنطقة وذاكرتها الشعبية ، فقد كانت هجرتهم واحدة من أكبر التحولات التي عرفها المغرب الإسلامي سيرتهم عرفت بـ”السيرة الهلالية” وظلت تتناقلها الأجيال في الجزائر وتونس وليبيا ومصر يختلط فيها التاريخ بالحكاية، والواقع بالخيال ، ليست الرواية الشعبية وحدها من تحاول تفسير هوية هذا المكان.

فالباحث في التاريخ ” الدكتور محمد عريعير” ، اعتمادا على وثائق أرشيفية وكتابات رحالة وضباط فرنسيين يرى أن الاسم التاريخي للموقع هو جبل الضلعة، وأن القرية التي قامت فوقه كانت تجمعا جبليا محصنا يعود إلى قرون مضت ، فقد ورد ذكر “وطن الضلعة” في وثائق تعود إلى بداية القرن السابع عشر، كما وصفتها التقارير العسكرية الفرنسية في القرن التاسع عشر بأنها قرية جاثمة فوق قمة الجبل كـ”عش نسر”، تضم مئات السكان، وتتميز بمنازل حجرية من طابقين ومسجد محصن، إضافة إلى اعتماد أهلها على تربية الماشية وصناعة القطران واستغلال الغابات.

ويشير الباحث كذلك إلى أن الوثائق لا تربط الجبل مباشرة ببني هلال، بل ترجح أن تسمية “بوهلال” ظهرت في مرحلة متأخرة، ربما نسبة إلى مسجد أو ولي صالح حمل هذا الاسم، أو بفعل التأثير الكبير الذي تركته التغريبة الهلالية في الذاكرة الشعبية لمنطقة الحضنة ، كما يذهب إلى أن سكان القرية كانوا في الأصل من القبائل الأمازيغية المستعربة، الذين حافظوا على نمط العيش الجبلي، قبل أن تتداخل أنسابهم وثقافتهم مع القبائل العربية التي وفدت إلى المنطقة عبر الزمن.

وربما لهذا السبب بالذات يبقى جبل بوهلال مكانا يلتقي فيه التاريخ بالرواية الشعبية، فلا يستطيع أحد أن يفصل بينهما بسهولة.
ففي الضلعة لا يكاد يخلو مجلس من ذكر الجازية الهلالية وذياب بن غانم بطلي السيرة الهلالية، اللذين تجاوزا حدود الرواية ليصبحا جزءا من ذاكرة الناس.

تحكي الروايات أن الجازية كانت امرأة اشتهرت بجمالها و كانت صاحبة عقل راجح وحكمة نادرة، حتى كان شيوخ القبيلة وفرسانها يستمعون إلى رأيها قبل اتخاذ القرارات ، أما ذياب بن غانم فكان فارسا يهابه خصومه، اشتهر بالشجاعة والدهاء وقوة الشخصية، لكنه كان أيضا شديد الاعتزاز بكرامته، سريع الغضب، لا يقبل أن يُنتقص من قدره، ولا يرضى أن يكون تابعا لأحد.

وتقول الروايات إن ذياب أُعجب بالجازية، وكان ينتظر منها كلمة تقدير بعد كل معركة أكثر مما ينتظر الغنائم، بينما كانت هي ترى فيه فارسا لا يشق له غبار ، لكنها كانت تؤمن بأن الفروسية لا تكتمل إلا بالحكمة، وأن الرجل الذي يقود الناس ينبغي أن ينتصر على غضبه كما ينتصر على أعدائه. لذلك كانت تختبره في مواقفه، لا في قوته، وكأنها كانت تبحث عن القائد أكثر من بحثها عن الفارس.

ويحكي الرواة أن ذياب رغم ما كان يحمله لها من تقدير وحب ، لم يكن من الرجال الذين يستجدون القلوب ، فإذا شعر بأن الطريق لا يقوده إليها، آثر الصمت على أن يلاحقها ، لذلك بقيت حكايتهما معلقة بين الإعجاب والكبرياء، وبين الحكمة والفروسية، حتى أصبحت واحدة من أشهر الحكايات التي حفظتها السيرة الهلالية.

وهنا فوق جبل بوهلال يضيف الخيال الشعبي فصلا آخر من الحكاية ، فبعض كبار السن ممن التقينا بهم يرددون أن الجازية مرت من هذا المكان، بل ويذهب آخرون إلى القول إنها أقامت فوق هذه القمة لكن لا توجد وثيقة تثبت ذلك، لكنها رواية بقيت حية في ذاكرة الأهالي، تنتقل من جيل إلى آخر، كما تنتقل أسماء الأماكن نفسها.
يقال ايضا في المخيال الشعبي ان الهلاليون كانوا في خلاف مع الحماديين الذين كانوا يتخذون من ولاية المسيلة عاصمة لهم ، لذلك استوطنوا أعلى الجبل.

ربما لن نعرف يوما إن كانت الجازية قد وقفت فعلا فوق هذه الصخور، أو إن كان ذياب قد مر من هذه السفوح ، لكن المؤكد أن هذه الحجارة ليست مجرد بقايا منازل قديمة، بل صفحات من ذاكرة منطقة كاملة، تختلط فيها الوثيقة بالرواية، والحقيقة بالأسطورة، ويظل الجبل شاهدًا صامتًا على زمن مضى، وما زال يدفع كل من يصعد إليه الى التساؤل عما تخفيه القمة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews