أيمن احمد صالح _ شبكة مرسلين
في وقت يعاد فيه تشكيل موازين القوة الدولية على أساس امتلاك التكنولوجيا والبيانات والقدرات الحاسوبية، وقّع السودان في العاصمة الصينية بكين الاتفاقية المنشئة لـ«المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، لينضم بصفته عضواً مؤسساً إلى أول إطار حكومي دولي متخصص تقوده الصين لتعزيز التعاون في هذا المجال.
ومثّل السودان في مراسم التوقيع سفيره لدى الصين عمر عيسى أحمد، بحضور مساعد وزير الخارجية الصيني ليو بين. وجاءت الخطوة بعد نحو أسبوعين من توقيع 29 دولة الاتفاقية الأصلية لإنشاء المنظمة في شنغهاي، قبل انضمام السودان وبروناي وفيتنام وإيران وتوغو ودولة إضافية، ليرتفع عدد المؤسسين إلى 35 دولة.
ولا تعني العضوية أن السودان أصبح فجأة دولة منتجة للتقنيات المتقدمة أو أنه سيحصل تلقائياً على بنية تحتية رقمية وتمويل ومراكز بيانات. لكنها تمنحه موقعاً مبكراً داخل مؤسسة دولية ناشئة قد تلعب دوراً متزايداً في صياغة قواعد التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات وحوكمة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بين دول الجنوب العالمي.
وبذلك يمكن قراءة الخطوة من خلال مستويين متوازيين: مستوى سياسي ودبلوماسي يتعلق بموقع السودان في النظام الدولي التكنولوجي الجديد، ومستوى تنموي داخلي يتوقف نجاحه على قدرة المؤسسات السودانية على تحويل العضوية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
ما المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي؟
أُنشئت المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، المعروفة اختصاراً باسم WAICO، بمبادرة صينية، واتُفق على أن يكون مقرها في مدينة شنغهاي.
وبحسب الإعلان التأسيسي، تستهدف المنظمة تعزيز التعاون الدولي، وتنسيق السياسات، وتبادل المعرفة، وبناء القدرات، ودعم البحث والتطوير، والمساهمة في وضع أطر لحوكمة الذكاء الاصطناعي واستخدامه في التنمية.
وتضم القائمة الأولية دولاً من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، بينها الصين وروسيا وبيلاروسيا وصربيا والبرازيل وفنزويلا وباكستان وكازاخستان وإندونيسيا ودول أفريقية عدة.
ويعكس هذا التكوين توجهاً واضحاً نحو بناء تكتل تكنولوجي يستند إلى احتياجات الدول النامية، ويقدم نفسه بديلاً أو مكملاً للأطر التي تقودها الدول الغربية في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي.
ولا تزال المنظمة في مرحلة التأسيس، ولذلك لم تتضح بعد بصورة كاملة ميزانيتها، وآليات التصويت داخلها، وحجم الالتزامات القانونية التي ستقع على الدول الأعضاء، أو طبيعة المشروعات التي ستُطلق تحت مظلتها.
من 29 إلى 35 دولة
عند توقيع الاتفاقية المؤسسة في 16 يوليو/تموز 2026، أعلنت الصين انضمام 29 دولة إلى المنظمة، من بينها عشر دول أفريقية و12 دولة آسيوية.
وفي 31 يوليو/تموز، وقّع السودان الاتفاقية في بكين بالتزامن مع انضمام بروناي دار السلام وفيتنام وإيران وتوغو، ليرتفع عدد الدول المؤسسة المعلن إلى 35 دولة.
ومن هنا، فإن الحديث عن انضمام السودان «إلى جانب 34 دولة أخرى» صحيح عند احتساب السودان ضمن المجموعة النهائية المكونة من 35 دولة، لكنه لا يعني أن جميع الدول الـ35 وقعت الوثيقة في اليوم والمكان نفسيهما.
دبلوماسية التكنولوجيا
تحمل العضوية بعداً سياسياً يتجاوز المجال التقني. فالتكنولوجيا لم تعد قطاعاً منفصلاً عن العلاقات الدولية، بل أصبحت أداة للنفوذ والسيادة والتحالفات.
وتتنافس الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي على وضع القواعد والمعايير التي ستحدد كيفية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها، ومن يملك البيانات والرقائق والبنية الحاسوبية، ومن يستطيع الوصول إلى النماذج المتقدمة.
ومن خلال المنظمة الجديدة، تسعى الصين إلى تقديم نفسها بوصفها شريكاً للدول النامية، وإلى بناء إطار دولي يعطي الأولوية للتنمية ونقل المعرفة وتقليص الفجوة الرقمية، في مقابل نماذج غربية تركز بدرجة أكبر على السلامة والحقوق والقيود التنظيمية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن الانضمام المبكر يمثل ممارسة لما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية التكنولوجيا»؛ أي استخدام الشراكات التقنية لتعزيز الحضور الدولي، وفتح قنوات جديدة للتعاون بعيداً عن الملفات السياسية والعسكرية التقليدية.
رسالة سياسية من الخرطوم
تبعث العضوية برسالة مفادها أن السودان لا يريد البقاء خارج المؤسسات التي تتشكل حول الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي بلد يعيش تحديات الحرب وإعادة الإعمار وتراجع البنية الأساسية، قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الأولويات العاجلة. لكن التجارب الدولية تشير إلى أن الدول التي تتأخر في بناء قدراتها الرقمية تصبح أكثر اعتماداً على الخارج، وتواجه صعوبة أكبر في تحديث اقتصادها ومؤسساتها لاحقاً.
وقال وزير التحول الرقمي والاتصالات السوداني أحمد الدرديري غندور إن العضوية تعني أن السودان يسهم في رسم مستقبل التعاون الدولي في الذكاء الاصطناعي، ولا يكتفي بمتابعته، واعتبرها استثماراً في العقول السودانية والكفاءات الموجودة في الداخل والمهجر.
أما السفير عمر عيسى أحمد، فأكد أن السودان يتطلع إلى الاستفادة من التدريب وبناء القدرات والبحث العلمي وتطوير التقنيات، وإقامة شراكات تراعي احتياجات الدول النامية ودول الجنوب.
ما المكاسب المباشرة المحتملة؟
أولاً: التدريب وبناء القدرات
يمثل نقص الكوادر المؤهلة أحد أبرز العوائق أمام التحول الرقمي في الدول النامية. ويمكن لعضوية السودان أن تتيح مشاركة موظفين وباحثين وطلاب في برامج تدريبية تنظمها الصين أو الدول الأعضاء.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد أعلن توفير خمسة آلاف فرصة تدريب في مجال الذكاء الاصطناعي للدول النامية خلال خمس سنوات، إلى جانب توسيع التعاون مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومجموعات دول الجنوب.
لكن حصول السودان على حصة مؤثرة من هذه الفرص يتطلب تحركاً مؤسسياً، يشمل ترشيح الكفاءات، وإعداد مشروعات واضحة، والتفاوض على برامج تستجيب للاحتياجات الوطنية.
ثانياً: الوصول إلى المعرفة التقنية
لا يعني نقل المعرفة تسليم السودان أحدث النماذج أو الرقائق بصورة تلقائية، لكنه قد يشمل إتاحة المناهج والخبرات والأدوات مفتوحة المصدر، والتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية الصينية، وتدريب المبرمجين والباحثين.
ويمكن للسودان الاستفادة خصوصاً من النماذج الأقل تكلفة، والتطبيقات التي تعمل بقدرات حاسوبية محدودة، والحلول المصممة للغات والبيئات المحلية.
ثالثاً: دعم البحث العلمي
يعاني البحث العلمي السوداني من تراجع التمويل وهجرة الكفاءات وتضرر الجامعات والمختبرات بفعل الحرب.
وقد توفر المنظمة إطاراً لعقد اتفاقيات بين الجامعات السودانية ونظيراتها في الصين والدول الأعضاء، وإنشاء مختبرات مشتركة، وتمويل بحوث تطبيقية تتعلق بالزراعة والمياه والصحة والطاقة.
لكن ذلك يتطلب إعادة تأهيل المؤسسات الأكاديمية، وتوفير الإنترنت والكهرباء، وضمان استقرار الباحثين وحماية الملكية الفكرية.
رابعاً: جذب الاستثمارات الرقمية
يمكن للعضوية أن تساعد السودان في عرض مشروعاته أمام شركات صينية وآسيوية تعمل في الاتصالات والحوسبة السحابية والمدن الذكية والأقمار الصناعية.
وقد تشمل الفرص المحتملة إنشاء مراكز بيانات، وتحديث شبكات الاتصالات، وتطوير أنظمة الدفع الرقمي، وتقديم خدمات حكومية إلكترونية.
غير أن الاستثمار لن يأتي بسبب العضوية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالاستقرار الأمني، ووضوح القوانين، وضمانات حماية المستثمرين، وقدرة الدولة على تنفيذ العقود.
خامساً: المشاركة في صياغة قواعد الحوكمة
الدول التي تنضم في مرحلة التأسيس تكون عادة أقرب إلى النقاشات المتعلقة بالنظام الأساسي وأولويات العمل وتشكيل اللجان.
وقد يمنح ذلك السودان فرصة للدفاع عن مصالح الدول الأقل نمواً، مثل خفض تكلفة التكنولوجيا، وإتاحة البيانات العامة، ودعم اللغات المحلية، ومنع استخدام الذكاء الاصطناعي في تكريس الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة.
لكن التأثير الحقيقي يتطلب حضوراً فنياً دائماً، لا مشاركة دبلوماسية رمزية فقط.
الزراعة الذكية
يُعد القطاع الزراعي من أكثر المجالات التي يمكن أن يستفيد فيها السودان من الذكاء الاصطناعي، بسبب اتساع الأراضي الزراعية وتنوع المناخ والموارد المائية.
ويمكن استخدام صور الأقمار الصناعية والنماذج التنبؤية في:
- تقدير مواعيد الزراعة والحصاد.
- رصد الآفات والأمراض.
- قياس رطوبة التربة.
- تحسين استخدام المياه والأسمدة.
- التنبؤ بالإنتاج والأسعار.
- مراقبة التصحر وتدهور الأراضي.
كما يمكن بناء تطبيقات بسيطة تقدم للمزارعين إرشادات باللغة العربية أو اللغات المحلية عبر الهواتف المحمولة.
لكن نجاح هذه الحلول يرتبط بجمع بيانات زراعية دقيقة، وتوفير شبكات اتصال في المناطق الريفية، وضمان أن تصل التكنولوجيا إلى صغار المنتجين، لا أن تظل حكراً على الشركات الكبيرة.
المياه والمناخ والإنذار المبكر
يعاني السودان دورياً من الفيضانات والجفاف والتصحر وتقلب الأمطار. ويمكن للذكاء الاصطناعي دعم أنظمة الإنذار المبكر عبر تحليل بيانات الطقس والأقمار الصناعية ومستويات الأنهار.
وكانت الصين قد أعلنت توفير أدوات ذكاء اصطناعي للأرصاد والإنذار المبكر لنحو 30 دولة، وهو مجال يمكن للسودان أن يسعى للاستفادة منه في إطار المنظمة.
وقد تساعد هذه الأنظمة في تقليل خسائر الفيضانات، وتحسين إدارة السدود، وتحديد المناطق المعرضة للجفاف، ودعم خطط الأمن الغذائي.
إلا أن القرارات المتعلقة بمياه النيل والسدود تتطلب أيضاً اتفاقات سياسية وبيانات مشتركة بين الدول، ولا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محل التعاون الإقليمي.
إعادة إعمار البنية التحتية
يحتاج السودان، في أي مرحلة مقبلة لإعادة الإعمار، إلى حصر الأضرار وتحديد الأولويات ومتابعة تنفيذ المشروعات.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية لتقييم الأضرار التي لحقت بالمباني والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وإعداد خرائط للمناطق الأكثر احتياجاً.
كما تستطيع الأنظمة الرقمية تحسين مراقبة المشروعات والعقود، وكشف التأخير أو تضخم التكاليف، إذا توافرت الشفافية والرقابة المؤسسية.
وفي هذا السياق، قد تتحول العضوية إلى أداة لجذب مساعدات تقنية من الصين والدول الأعضاء لإعادة بناء الخدمات الأساسية على أسس رقمية حديثة.
الصحة والخدمات الطبية
تعرض القطاع الصحي السوداني لخسائر واسعة نتيجة الحرب ونقص الكوادر والمعدات.
ويمكن للذكاء الاصطناعي دعم التشخيص عن بُعد، وتحليل الصور الطبية، وإدارة المخزون الدوائي، وتحديد المناطق التي تنتشر فيها الأوبئة، وربط المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق النائية.
كما يمكن استخدام أنظمة لغوية لمساعدة الأطباء والممرضين في الوصول إلى المعلومات الطبية، مع ضرورة إخضاعها للمراجعة البشرية وعدم الاعتماد عليها بصورة منفردة في القرارات العلاجية.
لكن هذه التطبيقات تحتاج إلى حماية صارمة للبيانات الصحية، وتدريب المستخدمين، واختبار الأنظمة للتأكد من ملاءمتها للسكان المحليين.
التعليم وإعادة تأهيل الكفاءات
تضررت العملية التعليمية في السودان بسبب النزوح وتعطل المدارس والجامعات، ويمكن للتقنيات الرقمية أن تسهم في توسيع التعليم عن بُعد وتقديم محتوى تعليمي للطلاب في الداخل والخارج.
ويمكن إنشاء منصات تستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص الدروس، وتصحيح التمارين، وترجمة المواد، وتدريب المعلمين، ومساعدة الطلاب على تعويض الفاقد التعليمي.
كما يمكن ربط الجامعات السودانية بالكفاءات الأكاديمية الموجودة في المهجر، بما يسمح بتنظيم محاضرات وبرامج بحثية مشتركة.
لكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم يجب ألا يتحول إلى بديل عن المعلم أو المؤسسة التعليمية، بل إلى أداة مساعدة ضمن نظام يضمن النزاهة الأكاديمية وجودة المحتوى.
المالية العامة والخدمات الحكومية
يمكن للسودان استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين تحصيل الضرائب والجمارك، ورصد التهرب، وتوجيه الدعم، وتحليل الإنفاق العام، وتسريع الخدمات الحكومية.
كما يمكن تطوير منصات موحدة للتسجيل المدني والتراخيص والمدفوعات، شريطة أن تُبنى على قواعد بيانات موثوقة وآمنة.
وتكمن الخطورة في أن استخدام أنظمة رقمية غير شفافة أو مستوردة بالكامل قد ينقل السيطرة على البيانات السيادية إلى جهات خارجية، أو يؤدي إلى قرارات تمييزية يصعب الاعتراض عليها.
ولذلك يجب أن ترافق الرقمنة قواعد واضحة للمساءلة وحماية الخصوصية وحق المواطن في معرفة كيفية اتخاذ القرارات الآلية.
الأمن ومخاطر الاستخدام المزدوج
للذكاء الاصطناعي تطبيقات مدنية، لكنه يستخدم أيضاً في المراقبة وتحليل الصور والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني والحملات الإعلامية.
وفي الحالة السودانية، التي تشهد نزاعاً مسلحاً واستقطاباً سياسياً، يجب التعامل بحذر مع نقل تقنيات الاستخدام المزدوج.
فالعضوية قد تتيح فرصاً لتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية، لكنها قد تفتح أيضاً باباً لاستخدام التكنولوجيا في المراقبة الواسعة أو التضليل أو تعقب المعارضين.
ومن ثم، يحتاج السودان إلى إطار قانوني يحدد حدود الاستخدام الأمني، ويخضع الأنظمة الحساسة للرقابة القضائية والمؤسسية.
هل تكسر المنظمة الاحتكار التقني؟
تقدم الصين المنظمة باعتبارها أداة لمنع احتكار الذكاء الاصطناعي من جانب عدد محدود من الدول والشركات، وتؤكد أن الدول النامية يجب أن تحصل على فرص عادلة للوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا.
لكن كسر الاحتكار لا يتحقق بمجرد إنشاء منظمة دولية، لأن صناعة الذكاء الاصطناعي تعتمد على عناصر شديدة التعقيد، تشمل:
- الرقائق المتقدمة.
- مراكز البيانات.
- الطاقة.
- الحوسبة السحابية.
- البرمجيات.
- البيانات عالية الجودة.
- الخبراء والباحثين.
- رؤوس الأموال.
وتملك الصين تقدماً كبيراً في عدد من هذه المجالات، لكنها تواجه بدورها قيوداً غربية على الوصول إلى بعض الرقائق والتقنيات المتقدمة.
لذلك قد توفر المنظمة للدول النامية حلولاً أقل تكلفة وفرصاً تدريبية ومنصات مفتوحة، لكنها لن تلغي سريعاً الفجوة التقنية العالمية.
بين التعاون والتنافس الجيوسياسي
لا يمكن فصل تأسيس المنظمة عن المنافسة الصينية الأميركية.
تسعى واشنطن إلى بناء سلاسل توريد موثوقة للرقائق والبنية الرقمية مع حلفائها، بينما تدفع الصين نحو منظومة أكثر انفتاحاً على روسيا ودول الجنوب العالمي، وتنتقد القيود الغربية على تصدير التكنولوجيا.
ويرى بعض المحللين أن المنظمة تمثل بداية قطب جديد في حوكمة الذكاء الاصطناعي، يقوم على سيادة الدول وأولويات التنمية، في مقابل النموذج الغربي الذي يعطي وزناً أكبر لحقوق الإنسان والسلامة والرقابة على المخاطر.
بالنسبة إلى السودان، تتيح هذه المنافسة فرصاً للحصول على التكنولوجيا والتمويل والتدريب، لكنها تفرض أيضاً ضرورة تجنب الارتهان الكامل إلى منظومة واحدة.
والأفضل للسودان أن يحافظ على سياسة تعاون متعددة الأطراف، تستفيد من الصين، لكنها تبقي الباب مفتوحاً أمام الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والدول العربية والجامعات والشركات الغربية والآسيوية.
تحديات داخلية ثقيلة
ضعف البنية التحتية
لا يمكن بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي من دون كهرباء مستقرة واتصالات سريعة ومراكز بيانات وخدمات سحابية.
وتعد إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والإنترنت شرطاً سابقاً لأي توسع حقيقي في استخدام الأنظمة الذكية.
الحرب وعدم الاستقرار
تؤدي الحرب إلى تدمير المؤسسات وهجرة الكفاءات وتعطيل الاستثمار، وقد تجعل المشروعات التقنية عرضة للتوقف أو الاستغلال السياسي.
ولذلك فإن السلام والاستقرار وسيادة القانون ليست ملفات منفصلة عن التحول الرقمي، بل شروط أساسية له.
هجرة العقول
يمتلك السودان عدداً كبيراً من المهندسين والأطباء والأكاديميين والمبرمجين في الخارج. ويمكن أن يمثل هؤلاء جسراً لنقل المعرفة، لكن غياب الحوافز والاستقرار قد يمنع عودتهم.
ويحتاج السودان إلى برنامج وطني لربط كفاءات المهجر بالمشروعات المحلية، من خلال العمل عن بُعد، والزيارات العلمية، والاستثمار، والإشراف على التدريب.
نقص البيانات
الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات، بينما تعاني المؤسسات السودانية من ضعف الإحصاءات وتشتت السجلات وعدم تحديثها.
وقبل الحديث عن النماذج المتقدمة، تحتاج الدولة إلى بناء قواعد بيانات موحدة وآمنة في الزراعة والصحة والتعليم والسكان والاقتصاد.
ضعف التشريعات
لا يزال السودان بحاجة إلى إطار قانوني شامل لحماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني والملكية الفكرية والمسؤولية عن قرارات الذكاء الاصطناعي.
ومن دون هذه القواعد، قد تتحول الرقمنة إلى خطر على الحقوق أو إلى سوق غير منظم للشركات الأجنبية.
ما المطلوب لتحويل العضوية إلى نتائج؟
استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي
ينبغي إعداد استراتيجية تحدد القطاعات ذات الأولوية، والاحتياجات البشرية والمالية، والأهداف القابلة للقياس، والجدول الزمني.
ولا ينبغي أن تبدأ الاستراتيجية بمحاولة منافسة الدول الكبرى في تطوير النماذج العملاقة، بل بالتركيز على تطبيقات عملية منخفضة التكلفة تعالج مشكلات سودانية محددة.
مجلس وطني متعدد الأطراف
يحتاج السودان إلى مجلس يضم وزارات الاتصالات والتعليم والصحة والزراعة والمالية، والجامعات، والقطاع الخاص، والخبراء في الداخل والمهجر.
ويتولى المجلس تنسيق المشاركة في المنظمة الجديدة، ومتابعة البرامج، ومنع تكرار المشروعات أو تضاربها.
وحدة اتصال بالمنظمة
من الضروري إنشاء نقطة اتصال وطنية دائمة، لا أن يقتصر الملف على السفارة أو وزارة واحدة.
وتتولى الوحدة متابعة فرص التدريب والتمويل والبحوث المشتركة، وإعداد مقترحات المشروعات، وتمثيل المصالح السودانية في اللجان الفنية.
برنامج عاجل للكوادر
يمكن إطلاق برنامج لتدريب المدربين والباحثين وموظفي الدولة، مع إعطاء أولوية للأمن السيبراني وإدارة البيانات والتطبيقات الزراعية والصحية.
ويجب أن يُلزم المستفيدون بنقل ما تعلموه إلى مؤسساتهم، حتى لا تتحول المنح إلى استفادة فردية فقط.
مشروعات تجريبية
بدلاً من إطلاق خطط واسعة يصعب تنفيذها، يمكن البدء بمشروعات محدودة، مثل:
- نظام إنذار مبكر للفيضانات.
- منصة لرصد المحاصيل.
- مشروع تشخيص طبي عن بُعد.
- قاعدة بيانات لإعادة إعمار المدارس والمستشفيات.
- نظام رقمي للجمارك.
- منصة تعليمية للنازحين.
ويسمح تقييم هذه المشروعات بتحديد ما يصلح للتوسع وما يحتاج إلى تعديل.
تشريع لحماية البيانات
يجب إقرار قانون يحدد كيفية جمع البيانات وتخزينها ومشاركتها، ويمنع بيعها أو استخدامها خارج الأغراض المعلنة.
كما ينبغي تحديد مكان استضافة البيانات الحكومية الحساسة، ومن يملك حق الوصول إليها، وما الضمانات عند التعاون مع شركات أجنبية.
مؤشرات لقياس النجاح
يمكن الحكم على جدوى العضوية خلال الأعوام المقبلة من خلال مؤشرات واضحة، منها:
- عدد السودانيين المشاركين في برامج تدريب معتمدة.
- عدد الاتفاقيات بين الجامعات والمراكز البحثية.
- حجم التمويل الذي حصلت عليه المشروعات السودانية.
- عدد التطبيقات التي أُطلقت في الزراعة والصحة والتعليم.
- إنشاء مركز بيانات أو مختبر وطني للذكاء الاصطناعي.
- إصدار استراتيجية وطنية وتشريع لحماية البيانات.
- مشاركة السودان في صياغة وثائق المنظمة ومعاييرها.
- عدد الكفاءات السودانية في المهجر التي انخرطت في البرامج الوطنية.
إذا لم تتحقق نتائج من هذا النوع، فقد تبقى العضوية إنجازاً دبلوماسياً محدود الأثر.
فرصة لإعادة بناء الدولة رقمياً
رغم التحديات، تتيح مرحلة إعادة الإعمار فرصة للسودان لتجاوز بعض الأنظمة القديمة وبناء مؤسسات رقمية من البداية.
فبدلاً من إعادة إنتاج الإجراءات الورقية والبيروقراطية نفسها، يمكن تصميم خدمات حكومية تعتمد على الهوية الرقمية وقواعد البيانات المتكاملة والمدفوعات الإلكترونية.
ويُعرف هذا النهج أحياناً بالقفز التنموي؛ أي استخدام التكنولوجيا لتجاوز مراحل تقليدية مرت بها الدول المتقدمة.
لكن القفز لا يعني تجاهل الأساسيات. فلا يمكن بناء حكومة ذكية من دون مؤسسات فعالة، أو استخدام الذكاء الاصطناعي من دون بيانات صحيحة، أو حماية الاقتصاد الرقمي من دون قضاء وتشريعات وأمن سيبراني.
ماذا تعني العضوية للمواطن السوداني؟
لن يشعر المواطن بأهمية الخطوة من خلال البيانات الرسمية أو المؤتمرات، بل عندما تنعكس على حياته اليومية.
تعني العضوية شيئاً حقيقياً إذا ساعدت المزارع على تقليل خسائره، أو مكنت الطبيب من تشخيص مريض في منطقة نائية، أو سمحت للطالب النازح بمواصلة تعليمه، أو سرعت إصدار الوثائق والخدمات، أو حسنت الإنذار بالفيضانات.
أما إذا بقيت المشاركة محصورة في الوفود والندوات، فلن تختلف عن عضويات دولية عديدة لم تتحول إلى أثر تنموي.
في سطور
انضمام السودان إلى المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي خطوة سياسية واستراتيجية مهمة، لأنها تمنحه مقعداً مبكراً داخل مؤسسة مرشحة للعب دور في تشكيل التعاون التقني بين الصين ودول الجنوب العالمي.
وتفتح العضوية نظرياً أبواباً للتدريب ونقل المعرفة والبحث العلمي والاستثمار وبناء القدرات، ويمكن أن تدعم الزراعة وإدارة المياه والصحة والتعليم وإعادة الإعمار والخدمات الحكومية.
لكنها لا تمثل في ذاتها تحولاً رقمياً، ولا تضمن وصول التكنولوجيا أو التمويل. فقيمة العضوية ستتحدد بقدرة السودان على إعداد استراتيجية وطنية، وبناء البنية الأساسية، وتأهيل الكوادر، وحماية البيانات، وتقديم مشروعات واقعية للدول الأعضاء والمنظمة.
لقد حجز السودان مقعداً على الطاولة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع: هل يستخدم هذا المقعد للمشاركة في رسم المستقبل الرقمي، أم تظل العضوية عنواناً دبلوماسياً بلا أدوات تنفيذ؟
الإجابة لن تُقاس بعدد البيانات أو الاجتماعات، بل بعدد المشروعات والكفاءات والخدمات التي تصل إلى المواطن السوداني، وقدرة البلاد على تحويل الذكاء الاصطناعي من مفهوم عالمي كبير إلى أداة عملية لإعادة البناء والتنمية.



