الهانتا vs كورونا.. لماذا يقتل الهانتا 38% من ضحاياه ولا يقلق منظمة الصحة العالمية؟
قصة السفينة "إم في هوندياس" التي أعادت فيروس "الهانتا" إلى واجهة الرعب العالمي

شبكة مراسلين
في إحدى صباحات جنوب الأطلسي الباردة، حيث يلامس الصقيع أطراف القارة القطبية الجنوبية، كانت السفينة السياحية “إم في هوندياس” (MV Hondius) تمضي بهدوء مهيب بين الجزر المعزولة. وعلى متنها، كان نحو 150 راكباً من جنسيات مختلفة يظنون أنهم في رحلة العمر لمشاهدة أجمل المناظر الطبيعية في العالم.
انطلقت المغامرة من ميناء “أوشوايا” بأقصى جنوب الأرجنتين في الأول من أبريل/نيسان 2026، وكان المخطط يقتضي المرور بجورجيا الجنوبية، وتريستان دا كونا، وسانت هيلينا. لكن، ما لم يكن في الحسبان، أن “مسافراً سرياً” ميكروسكوبياً كان يخطط لرحلة من نوع آخر.. رحلة نحو الموت.
رواية الموت فوق الماء
بدأ الأمر كطارئ صحي اعتيادي؛ رجل بالغ يعاني من حمى، وصداع، وإسهال خفيف. تصور الطاقم الطبي أنها نزلة معوية عابرة نتيجة تغير المناخ أو الطعام. لكن، في غضون أيام، تحول الهدوء إلى ذعر؛ ضيق في التنفس، تدهور سريع في المؤشرات الحيوية، وفي 11 أبريل/نيسان، لفظ الرجل أنفاسه الأخيرة قبل أن تبلغ السفينة أرخبيل “تريستان دا كونا” المعزول.
لم تكن تلك سوى البداية، إذ تبعتها حالة وفاة ثانية، ثم ثالثة. ومع تزايد الحالات، عاد اسم “فيروس الهانتا” (Hantavirus) ليتصدر عناوين الأخبار العالمية مجدداً، بعد تأكيدات مخبرية أن الموت لم يكن طبيعياً، بل كان هجوماً فيروسياً شرساً.
إحصائيات “عنقود الأنديز” المرعب
وفقاً لآخر تحديث من منظمة الصحة العالمية (8 مايو/أيار 2026)، بلغ إجمالي الإصابات المرتبطة بالسفينة 8 حالات، منها 6 مؤكدة مخبرياً بسلالة “فيروس أنديز” (Andes virus)، وهي واحدة من أخطر سلالات عائلة الهانتا.
المعطيات تشير إلى واقع مرعب: 3 وفيات من أصل 8 إصابات، ما يعني أن نسبة الوفاة داخل هذا “العنقود المصاب” تقارب 38%. حالياً، يتوزع الناجون المصابون على مستشفيات عالمية؛ أحدهم في العناية المركزة بجنوب أفريقيا، واثنان في هولندا، وآخر في سويسرا، مما يعكس الطبيعة العابرة للحدود لهذه الرحلة المنكوبة.

ما هو الهانتا؟ وما قصة سلالة “أنديز”؟
الهانتا ليس فيروساً واحداً، بل هو عائلة واسعة من الفيروسات التي تتخذ من القوارض (الفئران والجرذان) مستودعاً طبيعياً لها. ينتقل الفيروس للإنسان عادةً عبر استنشاق رذاذ أو غبار ملوث بفضلات القوارض أو لعابها.
ما ميز حادثة “إم في هوندياس” هو سلالة “أنديز” تحديداً؛ فبينما لا تنتقل معظم فيروسات الهانتا من إنسان لآخر، تكسر سلالة الأنديز (التي ترجع أصولها لأمريكا الجنوبية) هذه القاعدة، حيث رُصدت حالات انتقال محدودة بين البشر، وهو ما يفسر القلق الأممي من تفشيها داخل بيئة مغلقة كالسفينة السياحية.
من خنادق كوريا إلى مختبرات “هو وانغ لي”
تاريخياً، لفت هذا الفيروس أنظار الطب الحديث خلال الحرب الكورية في الخمسينيات. أصيب آلاف الجنود من قوات الأمم المتحدة بحمى غامضة متبوعة بفشل كلوي ونزيف، أطلق عليها حينها “حمي النزف الكورية”.
ظل السبب لغزاً لمدة عقدين، حتى نجح العالم الكوري “هو وانغ لي” في أواخر السبعينيات من ربط المرض بـ “فأر الحقل المخطط”. عزل الفيروس من رئة القارض قرب نهر “هانتان” في كوريا، ومن هنا جاء الاسم الذي يثير الرعب اليوم: “فيروس الهانتا”.
الوجهان القاتلان للفيروس
يتجلى خطر الهانتا في شكلين سريريين حسب الجغرافيا والسلالة:
- في الأمريكتين: يهاجم الرئتين والقلب، مسبباً “متلازمة الهانتا القلبية الرئوية” (HPS). يشعر المريض بضيق تنفس حاد يؤدي للفشل التنفسي.
- في أوروبا وآسيا: يستهدف الأوعية الدموية والكلى، مسبباً “الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية” (HFRS).
هل نحن أمام “كوفيد” جديد؟
عند المقارنة بين الهانتا وكوفيد-19، يجب التمييز بين الشدة والانتشار:
- من حيث الشدة الفردية: الهانتا أكثر رعباً بمراحل؛ فبينما تقدر نسبة وفيات كوفيد بأجزاء مئوية بسيطة، تصل نسبة وفيات الهانتا في الأمريكتين إلى 50%.
- من حيث الانتشار المجتمعي: يطمئن المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض (ECDC) الجمهور بأن الهانتا ليس مرشحاً ليكون “الجائحة التالية”. السبب هو صعوبة انتقاله بين البشر مقارنة بالفيروسات التنفسية التاجية.
فيروس الهانتا: خطر لا يمكن تجاهله
رغم أن الهانتا لن يغلق المطارات أو يفرض حظر تجوال عالمي، إلا أنه يظل خطراً وبائياً يتسبب سنوياً في ما بين 10 آلاف إلى 100 ألف إصابة حول العالم.
حادثة “إم في هوندياس” هي جرس إنذار للسياحة البعيدة والمناطق المعزولة، وتذكير دائم بأن الطبيعة، مهما بدت هادئة، تخبئ في طيات قوارضها أسراراً قد تنهي حياة البشر في غمضة عين.



