نُصوص بلا حسم.. كيف تُدار النّزاعات دون نهاية؟
«الغموض البنّاء» في الدبلوماسية: كيف تُدار الصراعات بالنصوص بدل الرصاص

شبكة مراسلين
كتبت: بارعة جمعة
في عالم السّياسة الدوليّة، لا تُكتب الاتفاقيات دائماً بهدف الحسم، بل غالباً بهدف إدارة الصّراع، ما يبدو ظاهرياً ثغرة لُغويّة أو ضعفاً في الصّياغة، يتحول في العمق إلى أداة مدروسة تُعرف بمصطلح “الغموض البنّاء” وهو آلية تسمح للأطراف المُتنازعة بتجاوز لحظات الانسداد دون حلّ جذري، مع إبقاء الباب مفتوحاً لإعادة تفسير الالتزامات وفق موازين القوّة المُتغيرة.
وفي ظلّ تعقيدات النظام الدولي، يُقدّم الدكتور في علم الاقتصاد الدولي سلمان ريّا في حديثه لشبكة “مراسلين” قراءة تحليليّة، تُظهر كيف يتحوّل الغموض من أداة دبلوماسيّة إلى وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة.
الغموض البنّاء… أداة إدارة لا حل
يرى الدكتور سلمان ريّا أن الغموض في النصوص الدولية ليس خللاً عرضياً، بل تقنية مقصودة تهدف إلى احتواء الخلافات مؤقتاً، هذه الصّياغة تسمح لكل طرف بتفسير الاتفاق بما يتناسب مع مصالحه، ما يُسهّل الوصول إلى توافق شكلي دون معالجة جوهر النّزاع، مؤكداً أن هذا النّمط ينقل الصّراع من الميدان إلى النص، حيث يصبح تفسير اللغة بحد ذاته ساحة مواجهة.
النص كساحة صراع مفتوحة
بحسب تحليل ريّا، لم يعد النّزاع الدولي يقتصر على الأرض أو الموارد، بل امتد إلى “معنى النص”، كل طرف يسعى لفرض قراءته الخاصة، مُستنداً إلى موقعه في ميزان القوة.
اقتصادياً… يعمل هذا الواقع على إنشاء بيئات استثمارية غير مُستقرة، مع ارتفاع في مستويات المخاطر السيادية، وصعوبة في بناء استراتيجيات تنموية طويلة الأمد.
إعادة توزيع الزّمن السّياسي
يُشير الدكتور سلمان ريّا إلى أن أخطر ما في الغموض البنّاء هو قدرته على إعادة توزيع الزمن لصالح الطرف الأقوى، أي بدل الحسم، يتم تأجيل القضايا الخلافية، ما يمنح هذا الطرف فرصة لتعزيز موقعه سياسياً واقتصادياً.
ويُضيف: أن الزّمن في هذه الحالة يتحول إلى مورد استراتيجي، حيث يُجبر الطرف الأضعف على التّكيّف التدريجي مع وقائع جديدة.
الدّقة التقنية كغطاء للمرونة
يُوضح ريّا أن الاتفاقيات الحديثة، رغم تعقيدها التقني، لا تُلغي الغموض بل تُعيد صياغته بشكل أكثر تطوراً، فالتفاصيل الدقيقة قد تُخفي مساحات واسعة لإعادة التفسير، خصوصاً من قبل القوى الكبرى، ما يؤدي بالنتيجة إلى إمكانية تعديل الالتزامات دون خرق صريح، واستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
الهُدن الجُزئية وإعادة توجيه الصراع
في تحليله للتطورات الأخيرة، يلفت ريّا إلى أن الهُدن المحدودة جغرافياً تمثل نموذجاً مُتقدماً للغموض البنّاء، غهي تُقدَّم كخطوات لخفض التصعيد، لكنها عملياً تُعيد توزيع مناطق الصراع بدل إنهائه.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن هذا النّمط ينعكس اقتصادياً من خلال تركيز الضغوط على مناطق محددة، مع إعادة تشكيل خرائط المخاطر الجيوسياسية، وتعميق الفجوات التنموية
منظومة الهيمنة… ثُلاثيّة مُتكاملة
يطرح الدكتور سلمان ريّا إطاراً تحليلياً يقوم على ثلاث ركائز تفسر فاعلية الغموض البنّاء هي: القوّة الصّلبة التي تفرض الوقائع، المرونة القانونية في صياغة الاتفاقات، والهيمنة السردية التي تُروّج تفسيراً مُعيّناً.
ويُشير إلى أن تداخل هذه العناصر يجعل من الغموض أداة مُستدامة لإدارة النفوذ، وليس مجرد حل مؤقت.
الطرف الأضعف… الكُلفة المُستمرة
يؤكد ريّا أن الطرف الأضعف ـ وغالباً ما يكون في السّياقات المدروسة عربياًـ يتحمّل الكلفة الأكبر، فهو يفتقر ليس فقط إلى القوة العسكرية، بل أيضاً إلى القدرة على فرض تفسيره للنصوص أو حماية نتائجه على الأرض.
وينعكس ذلك في تآكل السيادة الاقتصادية، زيادة الاعتماد على الخارج، وهشاشة في مُواجهة الصّدمات.
ويخلُص الدكتور سلمان ريّا إلى أن الغموض البنّاء ليس أداة حياديّة، بل انعكاس مباشر لاختلال بُنيوي في النظام الدولي، لافتاً إلى أن الاعتماد على النُصوص وحدها، دون امتلاك أدوات القوة الاقتصادية والسياسية، يُبقي الدّول الضعيفة في موقع المُتلقّي للتفسير، لا الشريك في صياغته.
ويشدد على أن فهم هذه الآلية يمثل خطوة أساسية لأي مُقاربة واقعيّة للعلاقات الدولية، خصوصاً في عالم تُدار فيه الصّراعات عبر اللغة بقدر ما تُدار عبر القوة.
الغموض البنّاء ليس مجرد أسلوب تفاوضي، بل بنية متكاملة لإدارة الصراع الدولي، كما أن النصوص لا تُحسم عند توقيعها، بل تبقى مفتوحة لإعادة التفسير ـ وفق موازين القوة ـ ما يجعلها أداةً مُستمرة لإعادة تشكيل النظام الدولي، غالباً على حساب الأطراف الأضعف.



