مقالات

هل تحول الشعب الأمريكي إلى عامل ثانوي التأثير في السياسة الأمريكية ؟

مساحة اعلانية 4

بقلم: د.ساعود جمال ساعود

أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 23 أفريل أن نسبة عدم الرضا عن أداء الرئيس دونالد ترامب ارتفعت إلى أعلى مستوى لها خلال ولايته الثانية، حيث عبّر 58% من الأمريكيين عن عدم رضاهم عن طريقة إدارته، مقابل 39% فقط من المؤيدين.

وتعد هذه النسبة الأعلى في عدم الرضا التي يواجهها ترامب منذ نهاية ولايته الأولى، بعد خسارته في الانتخابات وما تلاها من أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 جانفي، ويعود هذا التراجع في شعبيته بالتزامن مع تداعيات الحرب في إيران، التي ساهمت في ارتفاع أسعار الوقود بشكل حاد، إضافة إلى تنامي مخاوف الأمريكيين بشأن الوضع الاقتصادي. كما يسعى الديمقراطيون إلى جعل الانتخابات النصفية استفتاءً على سياسات ترامب، في حين انقلب بعض حلفائه السابقين في الإعلام المحافظ، مثل تاكر كارلسون، عليه خلال الأيام الأخيرة.


كما أظهر استطلاع أجرته كلية الحقوق بجامعة ماركيت أن شعبية ترامب بين الناخبين المستقلين تراجعت إلى 28%، مقارنة بـ39% عند توليه منصبه، فيما تراجعت أيضا نسب التأييد داخل الحزب الجمهوري رغم استمرار دعم الأغلبية له بنسبة 80%، وبحسب متوسط استطلاعات “نيويورك تايمز”، فإن صافي شعبية ترامب (المؤيدون ناقص المعارضون) بلغ -19 نقطة مئوية حتى يوم الخميس.
وبحسب التقرير فإن القلق الاقتصادي بلغ مستويات مرتفعة، إذ يرى 7 من كل 10 ناخبين أن الاقتصاد يتدهور بالنسبة لهم ولعائلاتهم، مقارنة بـ55% قبل عام واحد. كما تزايد هذا القلق حتى داخل قاعدة ترامب الانتخابية، حيث يرى نحو نصف الجمهوريين أن الاقتصاد يسير في اتجاه سلبي.
وفي هذا السياق، تبلغ نسبة تأييد ترامب في إدارة الاقتصاد 34% فقط، بينما لا تتجاوز نسبة الرضا عن تعامله مع التضخم 28%، في حين يحصل على تقييم أفضل نسبيا في ملف الهجرة والحدود، حيث يؤيده 46% من الناخبين، وتؤكد محررة استطلاعات الرأي في “نيويورك تايمز” أن هذه النتائج تعكس استمرار تراجع شعبية الرئيس خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تصاعد المخاوف الاقتصادية وتأثيرات الحرب على الداخل الأمريكي.

أولاً: تداعيات الحرب في إيران على تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب .
إن الشعب الأمريكي إيجابي من منظور الوعي السياسي والرغبة بالمشاركة السياسية، وتبعاً لهذا فإن له معاييره الخاصة بكل شرائحه لتقييم أي تحرك مصيري أو ذو أبعاد استراتيجية تمس أمن الشعب والأمن القومي الأمريكي واللذان يلتقيان بنقطة الاقتصاد وحساباته المتشابكة وتداعياته، وعلى أساس هذه الفلسفة والمنطق الحاكم للعقلية الشعبية الأمريكية، فإن تداعيات الحرب في إيران تُظهر انعكاسًا مباشرًا على تراجع شعبية دونالد ترامب من خلال ثلاث قنوات مترابطة:
أولها: الأثر الاقتصادي المباشر، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة أسعار الوقود ومن ثم ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما انعكس سريعًا على المواطن الأمريكي الذي يميل إلى تحميل الإدارة الحاكمة المسؤولية بغض النظر عن مصدر الأزمة.
ثانيها: تآكل رأسمال القيادة (الشرعية الشعبية) إذ قد تولّد الحروب في بدايتها حالة التفاف شعبي، لكن مع طول أمدها ووقع خسائر تضر بالمصالح الاستراتيجية، وغياب نتائج واضحة تتحول إلى عبء سياسي يضعف صورة الرئيس، وهذا ما حصل بفعل ردة فعل إيران التي خرجت عن دائرة الحسابات الأمريكية التي غدا من سماتها سوء تقدير القوة على أرض الواقع وإغفال الجانب المعنوي في قياس قوة الدولة الإيرانية.
ثالثها: الانقسام داخل الحزب الجمهوري (المحافظ ): تعكس انتقادات شخصيات إعلامية بارزة مثل تاكر كارلسون وجود تيار يميني رافض للتدخلات الخارجية، ما يؤدي إلى إضعاف ترامب من داخل قاعدته، وعليه فإن الحرب في هذا السياق لم تعزز صورته كقائد قوي، بل ” كقائد مغامر مقامر” أدت سياساته لإعادة تقديمه كرئيس يتحمل مسؤولية أزمة داخلية متفاقمة جراء حرب دقيقة بحيزها الظرفي الزماني وغير مضبوطة الأهداف وهذا ما يثبت أن هدف استنزاف إيران ومحاولات إزالتها جغرافيا مشروع أمريكي قائم في ظل مفارقة غريبة للشعب الأمريكي: إسرائيل قاعدة متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية لخدمة أهدافها الاستراتيجية، ولكن هذه إيران محطة اثبت العكس.

مؤشرات القلق الاقتصادي: كيف أثرت على تقييم الناخبين لأداء ترامب.
تُظهر المؤشرات الواردة على صعيد القلق الاقتصادي نمطًا واضحًا في سلوك الناخب الأمريكي، حيث يعكس اعتبار “7 من كل 10” ، أن الاقتصاد يتدهور، مستوىً مرتفعًا وخطيرًا من التشاؤم العام، خاصة أن الإدراك الشعبي غالبًا ما يكون أكثر تأثيرًا من المؤشرات الاقتصادية الفعلية، هنا يبرز التضخم كعامل حاسم، إذ إن انخفاض نسبة الرضا عن التعامل معه إلى 28% يشير إلى أزمة ثقة عميقة، نظرًا لأن التضخم يمس جميع الفئات بشكل يومي، بخلاف البطالة التي تؤثر على فئات محددة، كذلك فإن تراجع دعم الناخبين المستقلين إلى نحو 28% يمثل خسارة للكتلة الحاسمة انتخابيًا، ما يحوّل ترامب من شخصية مثيرة للجدل إلى مرشح يواجه صعوبة في تحقيق قبول عام، في ظل تزايد القلق داخل القاعدة الجمهورية نفسها، حيث يرى نحو نصف الجمهوريين أن الاقتصاد يسير في اتجاه سلبي، وهو مؤشر على بداية تململ داخلي، وبذلك يتضح أن العامل الاقتصادي وليس الحرب بحد ذاتها، هو المحدد الرئيسي في تراجع تقييم الأداء، بينما ساهمت الحرب في تعميق هذا التدهور.

مدى تأثير هذه النتائج على موقف ترامب السياسي داخل الحزب الجمهوري والانتخابات النصفية المقبلة:
فيما يتعلق بتأثير هذه النتائج على موقع ترامب السياسي، فإنه لا يزال يحتفظ بسيطرة واضحة داخل الحزب الجمهوري مع استمرار دعم يقارب 80%، إلا أن التراجع النسبي في التأييد، إلى جانب الانتقادات الصادرة من الإعلام المحافظ، يشير إلى تآكل طفيف في نفوذه ولا يلحظ له تأثير على وجوده ودوره في صنع القرار السياسي حالياً ولكن ستكون علامة فارقة سلبياً في أدواره المستقبلية، إنطلاقاً من اتسام الحزب الجمهوري ببراغماتيته، ما يعني أنه قد يعيد النظر في دعمه إذا تزايدت المؤشرات على أن ترامب أصبح عبئاً انتخابياً.

وعلى صعيد الانتخابات النصفية، البعض المتوقع أن يسعى الحزب الديمقراطي إلى تحويلها إلى استفتاء مباشر على سياسات ترامب، ولكن الواقع السياسي الأمريكي وحسابات الحزب الجمهوري تفرض هذه الحركة من باب الضرورة لمراجعة الأداء والفاعلية، وهو ما قد يضر بالحزب الحاكم في ظل مؤشرات اقتصادية سلبية وصافي تأييد يبلغ –19 نقطة، وضمن هذا السياق تبرز سيناريوهات محتملة خسائر جمهورية محدودة في حال تحسن الظروف، وبداية إعادة تشكيل داخل الحزب الجمهوري تقلّص من نفوذ ترامب تدريجيًا دون إقصائه الفوري، وفي المحصلة، فإن تزامن أزمة خارجية مع ضغوط اقتصادية داخلية وتململ داخل القاعدة الانتخابية يضعف موقع ترامب في استطلاعات الرأي وكذلك قدرته في الحفاظ على موقعه السياسي في المدى المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews