أخبارسياسةعربي و دولي

تونس: لماذا اضطرت المؤسسة العسكرية لإشهار ورقة “الحياد العسكري” الآن

عقيدة الانضباط في مواجهة "سيناريوهات المرزوقي".. قراءة في خلفيات بيان الجيش

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

في ظل مشهد سياسي يوصف بالانسداد والتوتر، لم تكن الهزّة الجديدة في تونس هذه المرة نابعة من أروقة الأحزاب أو ساحات التظاهر، بل من بيان “نادر وحاد” صادر عن وزارة الدفاع الوطني.
البيان الذي حمل تأكيدات صارمة بشأن “حياد المؤسسة العسكرية واحترام قوانين الدولة”، جاء ليفتح الصندوق الأسود لـ “العقيدة العسكرية التونسية”، ويطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب اضطرار جيش عُرف تاريخياً بالعمل في صمت، إلى الخروج علناً ليدافع عن استقلاليته ويرفض “الزج به في المزايدات والتجاذبات”.

شرارة الحدث: خطاب المرزوقي والبحث عن البديل العسكري

رغم أن وزارة الدفاع التونسية لم تذكر في بيانها جهة بعينها، إلا أن المراقبين يربطون هذا التوتر المكتوم بخطاب مصور وجهه الرئيس الأسبق والمعارض البارز المنصف المرزوقي (من خارج البلاد).
الخطاب الذي ألقاه في منتصف الشهر الجاري، لم يكن مجرد نقد عابر، بل وضع المؤسسة العسكرية أمام مسؤولياتها مباشرة، مستدعياً ما سماه “دورها التاريخي في حماية سيادة الدولة وكرامتها”.

وقسّم المرزوقي مستقبل البلاد إلى سيناريوهات حرجة:

  • السيناريو الأول: بقاء الرئيس الحالي قيس سعيد في السلطة عبر تمديد عهدته بانتخابات وصفها بـ “المغشوشة”.
  • السيناريو الثاني : اندلاع تحركات شعبية واسعة ومنظمة لاستعادة المسار الديمقراطي على غرار أحداث 2010.
  • السيناريو الثالث: دفع المؤسسة العسكرية بشخصية عسكرية “بديلة” لتأمين انتقال سياسي ينقذ البلاد من “تفاقم خطير للوضع العام”.

هذا الاستدعاء الصريح للمؤسسة العسكرية من قبل أرفع شخصية في هرم السلطة سابقا، اعتُبر بمثابة اختبار مباشر لعقيدة الجيش، ومحاولة لرسم مسار جديد لم يعتده الجنود في تاريخ تونس الحديث.

الإرث التاريخي: الاستثناء التونسي وجدران الثكنات

لفهم أبعاد القلق العسكري الحالي، يجب العودة إلى النواة الأولى لتأسيس الدولة التونسية في خمسينيات القرن الماضي؛ حيث بنيت “الدولة المدنية” على أيدي الزعيم الحبيب بورقيبة، ثم زين العابدين بن علي، على قاعدة صارمة: إبقاء الجنود خلف جدران الثكنات وحرمانهم من أي دور مؤثر في السلطة السياسية.

وطوال عقود، لم يتدخل الجيش في الشارع إلا في محطات نادرة ومقيدة للغاية، ارتبطت إما بكوارث طبيعية كالفيضانات، أو لإخماد احتجاجات اجتماعية كبرى خرجت عن السيطرة وعجزت الأجهزة الأمنية التقليدية عن احتوائها، ومن أبرزها:

  1. مواجهة السلطة مع الاتحاد العام التونسي للشغل (يناير 1978).
  2. “ثورة الخبز” الشهيرة في عامي 1983 و1984.

هذا الإرث المتواري عزز لدى التونسيين صورة “الجيش الجمهوري المحايد”، وهي الصورة التي رسخها الجيش بنفسه عقب ثورة 2011؛ إذ تولى حماية المؤسسات الحيوية والأمن العام دون أن ينزلق إلى فخ “الاستيلاء على السلطة” أو الانقلاب عليها، مما منحه رصيداً هائلاً من الثقة الشعبية.

محطات الصدام: من دبابة البرلمان إلى المحاكم العسكرية

رغم هذا السجل الأبيض، بدأت خطوط التماس بين المعارضة والجيش تشتعل تدريجياً، وتحديداً منذ المنعطف التاريخي في 25 يوليو/تموز 2021، عندما أعلن الرئيس قيس سعيد تدابيره الاستثنائية وتجميد أعمال البرلمان المنتخب.

في تلك اللحظة، ظهرت الدبابات العسكرية وهي تطوق مبنى مجلس نواب الشعب وتمنع رئيسه وأعضاءه من الدخول، وهي صورة ذات رمزية بصرية قاسية اعتبرتها المعارضة بمثابة “انخراط عملي أول للجيش في الشؤون السياسية”، ووجهت من خلالها لوماً مبطناً للقادة العسكريين لعدم حمايتهم لدستور 2014.

في المقابل، يرى أنصار الرئيس قيس سعيد (بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة) أن تحركات الجيش كانت تنفيذاً لـ “أوامر دستورية وقانونية شرعية” لحماية الدولة من التفكك، الفساد، والفوضى، مفسرين “الحياد” بأنه الامتثال الكامل لرئيس الدولة المنتخب.

دولة بلا “أجسام وسيطة” وأزمة معيشية خانقة

لا يمكن قراءة بيان وزارة الدفاع بمعزل عن المناخ السياسي والاقتصادي العام الذي يعصف بالبلاد؛ إذ يجمع المحللون على أن رغبة الأطراف المختلفة في استدعاء الجيش تنبع من حالة “الفراغ السياسي” الناتجة عن التآكل التدريجي و”الاختفاء القسري للأجسام الوسيطة” (الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني) منذ أن وسّع الرئيس سعيد صلاحياته.

ويتسم المشهد التونسي الراهن بأربعة تعقيدات هيكلية:

  • أزمة اقتصادية طاحنة: زيادة غير مسبوقة في الأسعار، انهيار القدرة الشرائية لشرائح واسعة من التونسيين، ونقص السلع الأساسية، مما يغذي المخاوف من انفجار الشارع في أي لحظة.
  • الملاحقات القضائية: موجة توقيفات واعتقالات شملت قادة من المعارضة، ونشطاء، ومحامين، وصحفيين بتهم مختلفة.
  • تجميد المجتمع المدني: تعليق أنشطة العديد من المنظمات والجمعيات بحجة التدقيق في مصادر تمويلها الخارجي، مما شل حركة الرقابة المدنية.
  • نزيف الكفاءات والهجرة: ارتفاع قياسي في معدلات مغادرة السياسيين والمعارضين للخارج، بالتوازي مع هجرة جماعية للكفاءات الحيوية (كالطب والهندسة).

معضلة “الحياد” في ديمقراطية ناشئة

يرى خبراء القانون والاجتماع السياسي أن مفهوم “الحياد العسكري” في تونس يعيش أزمة تعريف؛ فبينما يرى العرف التونسي الموروث أن الحياد يعني “الخضوع الأعمى للسلطة التنفيذية والقيادة المدنية المتمثلة في رئيس الجمهورية”، يرى باحثون أن هذه الأعراف تقليدية وليست ديمقراطية بالضرورة، إذ كان يُفترض بالجيش -في إطار التجربة الديمقراطية الناشئة- ألا يُستغل من قِبل سلطة ضد سلطة أخرى (كالتنفيذية ضد التشريعية).

ونقلت تقارير غربية – من بينها “لوموند” الفرنسية – عن قادة عسكريين متقاعدين، أن قرارات الرئيس سعيد في 2021 وإن قوبلت بارتياح أولي لدى قطاعات شعبية وعسكرية نتيجة النفور من الطبقة السياسية السابقة، إلا أن “القلق بات يسود خلف الكواليس” بسبب حصر كل السلطات في يد رجل واحد، وتحمل الجيش لتبعات هذا المشهد أمام التاريخ.

ختاماً، يمثل بيان وزارة الدفاع التونسية الأخير محاولة جادة من قيادة الجيش لإعادة رسم خطوط الفصل الصارمة؛ رسالة إلى المعارضة بأن “الثكنات لن تكون منطلقاً للتغيير السياسي أو الانقلابات”، ورسالة – ربما تكون مضمرة – للسلطة الحالية بأن “رصيد الجيش الجمهوري يجب ألا يُستهلك في معارك السياسة الداخلية اليومية”، ليبقى السؤال معلقاً: هل تنجح تونس في الحفاظ على استثنائية جيشها المتواري، أم أن عمق الأزمة الهيكلية سيجبر الجنود على البقاء في واجهة الصورة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews