اقتصادعلوم وتكنولجيا

شركات الذكاء الاصطناعي بين الطفرة والفقاعة.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

إعداد: أبو بكر إبراهيم أوغلو

لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعًا تقنيًا ناشئًا فحسب، بل تحوّل خلال سنوات قليلة إلى أحد أكبر محركات الاستثمار والنمو في الاقتصاد العالمي. فمن رقائق الحوسبة ومراكز البيانات إلى النماذج اللغوية والتطبيقات الموجهة للشركات والأفراد، تتدفق مئات المليارات من الدولارات إلى صناعة يُنظر إليها باعتبارها الثورة الاقتصادية الكبرى التالية.

لكن تسارع الإنفاق، والقفزات الاستثنائية في تقييم الشركات، وتزايد اعتماد المشروعات على الديون والتمويل المتبادل، أعاد إلى الأسواق سؤالًا سبق أن طُرح عشية انهيار شركات الإنترنت مطلع الألفية: هل يشهد العالم ثورة إنتاجية حقيقية، أم أننا أمام فقاعة مالية جديدة؟

مئات المليارات تطارد المستقبل

تكشف بيانات مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن الاستثمار الخاص العالمي في شركات الذكاء الاصطناعي بلغ نحو 344.7 مليار دولار خلال 2025، بزيادة قدرها 127.5% عن العام السابق. واستحوذت شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي وحدها على نحو 170.9 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الاستثمارات الخاصة في القطاع، بعد نمو تجاوز 200%. كما تضاعف تقريبًا عدد جولات التمويل التي بلغت قيمتها مليار دولار أو أكثر. تقرير Stanford AI Index 2026

ولا تتوقف الموجة عند الشركات الناشئة. فقد أصبحت شركات الحوسبة السحابية الكبرى في سباق مكلف لبناء مراكز البيانات وشراء المعالجات وتأمين الكهرباء اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة. ويقدّر بنك التسويات الدولية أن الشركات الخمس الكبرى في هذا المجال ستنفق أكثر من تريليون دولار بين عامي 2025 و2026 على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما يُتوقع أن يتجاوز إنفاقها الرأسمالي خلال 2026 وحده 700 مليار دولار. بنك التسويات الدولية

وتجسد «ألفابت» حجم هذا السباق؛ إذ رفعت الشركة تقديرات إنفاقها الرأسمالي لعام 2026 إلى ما بين 195 و205 مليارات دولار، بعدما سجلت إيراداتها في الربع الثاني نموًا سنويًا بنسبة 24%، مبررة الزيادة بالحاجة إلى تسريع بناء القدرات الحاسوبية لتلبية الطلب. نتائج Alphabet للربع الثاني

طفرة تستند إلى إيرادات حقيقية

رغم المخاوف، تختلف موجة الذكاء الاصطناعي عن كثير من الفقاعات التقليدية في أن عددًا من الشركات المستفيدة منها يحقق بالفعل إيرادات وأرباحًا ضخمة.

فقد سجلت «إنفيديا»، المزود الأبرز لمعالجات تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إيرادات بلغت 215.9 مليار دولار في سنتها المالية المنتهية في يناير 2026، بزيادة 65%، مع هامش ربح إجمالي تجاوز 71%. ثم حققت في الربع المنتهي في أبريل 2026 إيرادات قياسية بلغت 81.6 مليار دولار، مرتفعة 85% على أساس سنوي. نتائج إنفيديا السنوية ونتائج الربع الأول من السنة المالية 2027

كما أعلنت «مايكروسوفت» أن معدل الإيرادات السنوية لأعمالها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تجاوز 37 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، بنمو سنوي بلغ 123%. نتائج مايكروسوفت

هذه الأرقام تعني أن الذكاء الاصطناعي ليس منتجًا وهميًا أو مجرد وعود تسويقية. هناك طلب حقيقي من الشركات والحكومات والمستهلكين، إلى جانب توسع سريع في استخدام الأدوات الذكية في البرمجة وخدمة العملاء والإعلان والبحث وتحليل البيانات.

وأظهر مسح أجرته «ماكينزي» أن 88% من المؤسسات أصبحت تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل. غير أن نحو ثلث المؤسسات فقط انتقل إلى تطبيقه على نطاق واسع، بينما لا تزال الغالبية في مرحلة التجربة والمشروعات الأولية. مسح ماكينزي العالمي

أين تظهر علامات الفقاعة؟

لا تكمن المشكلة في جدوى التكنولوجيا ذاتها، بل في الأسعار المدفوعة والتوقعات الموضوعة حول سرعة تحولها إلى أرباح.

أولى علامات الخطر تتمثل في التقييمات الهائلة للشركات الخاصة. فقد جمعت «أنثروبيك» في مايو 2026 تمويلًا بقيمة 65 مليار دولار، رفع تقييمها إلى نحو 965 مليار دولار، رغم أن الشركة لا تزال حديثة نسبيًا وتتحمل نفقات ضخمة على الحوسبة والتدريب. رويترز

المؤشر الثاني هو أن الإنفاق الرأسمالي بدأ يتقدم على التدفقات النقدية لبعض الشركات. فبحسب بنك التسويات الدولية، تتجاوز التزامات بناء البنية التحتية في بعض الحالات الأرباح والتدفقات النقدية الحرة، ما يدفع الشركات إلى استخدام الديون والائتمان الخاص وهياكل تمويل تقع خارج الميزانيات التقليدية. ووصف البنك بعض هذه الالتزامات بأنها تشبه «الاقتراض الخفي». تقرير تمويل طفرة البنية التحتية

أما المؤشر الثالث فهو التشابك المالي بين المستثمر والمورد والعميل. ففي بعض الصفقات تستثمر شركات الرقائق والحوسبة السحابية في مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، ثم تستخدم الشركات الناشئة الأموال لشراء الرقائق أو استئجار الخدمات السحابية من المستثمر نفسه. وقد حذرت دراسة حديثة لبنك التسويات الدولية من أن التمويل الدائري والاندفاع المبكر نحو الاقتراض قد يؤديان إلى استثمار يفوق المستوى الاقتصادي الكفء بنحو مرة ونصف. دراسة سباق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

هذا النوع من العلاقات لا يعني بالضرورة وجود تلاعب، لكنه يجعل تقدير الطلب المستقل أكثر صعوبة، ويضاعف أثر أي تعثر؛ لأن المورد والمستثمر والعميل يصبحون جزءًا من دائرة مالية واحدة.

ليست فقاعة واحدة

الأدق اقتصاديًا عدم التعامل مع صناعة الذكاء الاصطناعي بوصفها كتلة واحدة، إذ تتفاوت المخاطر بين مستوياتها:

  • شركات الرقائق والبنية التحتية: تمتلك إيرادات واضحة وطلبًا قويًا، لكنها تواجه خطر الإفراط في بناء مراكز البيانات أو تباطؤ الحاجة إلى المعالجات مع تحسن كفاءة النماذج.
  • الشركات السحابية الكبرى: قادرة حاليًا على تمويل الإنفاق بفضل أعمالها الإعلانية والتجارية والبرمجية، لكن استمرار مئات المليارات من الاستثمارات يتطلب عائدًا أكبر بكثير من الإيرادات الحالية للذكاء الاصطناعي.
  • مطورو النماذج الأساسية: يحققون نموًا سريعًا، لكنهم يتحملون تكاليف تشغيل وتدريب هائلة، ويواجهون منافسة قد تضغط الأسعار وهوامش الأرباح.
  • شركات التطبيقات الناشئة: تمثل المنطقة الأكثر عرضة للتصحيح، بسبب سهولة تقليد كثير من المنتجات واعتمادها على نماذج تملكها شركات أخرى، فضلًا عن ضعف قدرتها على الاحتفاظ بالعملاء.

هل يتكرر سيناريو «الدوت كوم»؟

هناك أوجه شبه واضحة مع فقاعة الإنترنت: تدفق هائل للأموال، تقييمات مبنية على أرباح مستقبلية بعيدة، اندفاع الشركات لإضافة وصف «الذكاء الاصطناعي» إلى منتجاتها، واعتقاد المستثمرين بأن كل شركة في القطاع ستصبح رابحة.

لكن هناك فارقًا أساسيًا. فقد كانت غالبية شركات الإنترنت الناشئة في أواخر التسعينيات تفتقر إلى الإيرادات ونماذج الأعمال الواضحة، بينما تقود موجة الذكاء الاصطناعي اليوم شركات تملك سيولة ضخمة وقواعد عملاء وبنية تحتية عالمية. لذلك قد يكون التصحيح المتوقع أقرب إلى انهيار تقييمات بعض الشركات وخروج المشروعات الضعيفة، وليس انهيار التكنولوجيا نفسها.

كما حدث بعد فقاعة الإنترنت، يمكن أن تبقى البنية التحتية التي يجري بناؤها اليوم أساسًا لاقتصاد أكثر إنتاجية، حتى لو خسر بعض المستثمرين أموالهم أو اختفت مئات الشركات.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: تحقق الوعود الإنتاجية. تنجح الشركات في دمج الذكاء الاصطناعي داخل عملياتها، وترتفع الإنتاجية والأرباح بما يبرر الإنفاق الحالي، فتتحول الطفرة إلى دورة نمو طويلة.

السيناريو الثاني: تصحيح انتقائي. تتراجع تقييمات الشركات التي لا تمتلك إيرادات مستدامة، وتحدث عمليات اندماج واستحواذ واسعة، بينما تواصل الشركات الكبرى ومزودو البنية التحتية النمو بمعدلات أكثر واقعية. وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا.

السيناريو الثالث: انفجار فقاعة واسعة. يؤدي فشل الشركات في تحقيق العوائد المتوقعة إلى خفض الإنفاق على مراكز البيانات، وتعثر الديون، وهبوط أسهم التكنولوجيا وانتقال التأثير إلى الاقتصاد الأوسع. ويقدّر صندوق النقد الدولي أن تصحيحًا متوسطًا في تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي، مصحوبًا بتشديد الأوضاع المالية، قد يخفض الناتج العالمي بنحو 0.4% خلال 2026. صندوق النقد الدولي

الخلاصة

العالم لا يقف أمام فقاعة تكنولوجية خالصة؛ فالذكاء الاصطناعي تحول اقتصادي حقيقي، وله استخدامات وإيرادات ملموسة. لكن حول هذه التكنولوجيا نشأت بالفعل فقاعة جزئية في التقييمات والتمويل والإنفاق الرأسمالي.

الاختبار الحاسم لن يكون عدد المستخدمين أو قوة النماذج الجديدة، بل قدرة الشركات على تحويل الإنفاق المتسارع إلى تدفقات نقدية وأرباح مستدامة. وإذا لم تنمُ العوائد بالسرعة التي تتوقعها الأسواق، فقد يكون التصحيح قاسيًا، خصوصًا على الشركات الناشئة ومشروعات مراكز البيانات المعتمدة على الديون.

وباختصار: الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة، لكن الكثير من الأموال التي تراهن عليه قد تكون كذلك.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews