جامعة حلب ترسمُ ملامح المُستقبل الاقتصادي لسوريا

بارعة جمعة ـ شبكة مراسلين
في خُطوةٍ تعكس التحوّل نحو مرحلة التعافي والبناء، أطلقت جامعة حلب فعاليات الأسبوع العلمي الدولي الأول، برعاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وحضور معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء علي كدّه وعدد من الوزراء السوريين، ليُشكل منصّة علميّة غير مسبوقة تجمع نُخبة من الباحثين والخُبراء من داخل سوريا وخارجها.
ويأتي هذا الحدث في توقيت بالغ الأهمية، حيث تسعى البلاد إلى إعادة الإعمار وإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني عبر توظيف المعرفة والبحث العلمي كركيزة أساسيّة للتنمية المُستدامة.
حدث علمي غير مسبوق
يُمثل الأسبوع العلمي أكبر تجمّع أكاديمي تشهده الجامعة، إذ يضم 24 مؤتمراً علمياً تخصّصياً، أكثر من 1000 باحث ومحاضر، مُشاركات عربية ودولية واسعة، معارض تقنيّة وطبيّة وثقافية مُتخصّصة.
ويعكس هذا الحضور الكبير عودة الثّقة بالمؤسسات التعليمية السورية، ويفتح المجال أمام شراكات بحثيّة دوليّة تُعزّز تبادل الخبرات وتدعم الابتكار.
رؤية لإعادة الإعمار
ضمن هذا الحدث، يبرز مؤتمر “الاقتصاد وإدارة التنمية في مرحلة إعادة الإعمار” كأحد أهم المحاور العلمية، حيث يُركز على وضع رؤى استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري وفق أُسس علمية حديثة.
ويهدف المؤتمر إلى تقديم رُؤى عمليّة لإعادة الإعمار والتنمية الشّاملة، دعم صُنّاع القرار بتوصيات مبنية على البحث العلمي، وتعزيز دور المُؤسسات الأكاديميّة في مرحلة التّعافي، تطوير آليّات إدارة الموارد بكفاءة، وتشجيع الاستثمار والشّراكة بين القطاعين العام والخاص.
برنامج علمي مُكثّف ومُتعدد التّخصّصات
امتد المؤتمر على يومين، مُتضمناً جلسات علمية وورشات عمل ناقشت قضايا محوريّة، من أبرزها: تمويل إعادة الإعمار ودور المصارف الإسلامية، التحوّل الرّقمي والذّكاء الاصطناعي في الاقتصاد، ريادة الأعمال والتنمية المُستدامة، الحوكمة ومكافحة الفساد، وتطوير الموارد البشرية والتعليم.
كما تميّزت الفعاليات بطرح نماذج تطبيقيّة ودراسات ميدانيّة تُعالج الواقع السوري، ما يُعزّز من قابلية تنفيذ التوصيات على أرض الواقع.
رسائل رسمية… العلم بوّابة التنميّة
أكّد معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء علي كده خلال كلمة له في الافتتاح أن الاستثمار في المعرفة يُمثّل مسؤولية وطنية كبرى، مشدداً على أهمية توظيف التقدم العلمي في تحقيق التنمية المستدامة.
من جهته، أوضح وزير التعليم العالي والبحث العلمي السوري مروان الحلبي أن المؤتمر يُشكل انطلاقة جديدة نحو الانفتاح الأكاديمي الدولي، مع التركيز على ربط البحث العلمي باحتياجات السوق.
عندما يقود العلم القرار الاقتصادي
من منظور اقتصادي عالمي، هذا التحوّل يضع سوريا ضمن نمط الدول التي تعتمد على “إعادة الإعمار المعرفي”، حيث تصبح الجامعات مراكز إنتاج سياسات، لا مُجرد مؤسسات تعليمية، من هنا انطلق الدكتور في إدارة الأعمال والتسويق بجامعة الاقتصاد في حلب محمد الغريب في حديثه لشبكة “مراسلين” عن أهمية المؤتمر .
ويُشير الغريب إلى أن الأبحاث المُقدّمة لم تكتفِ بوصف الواقع، بل سعت إلى بناء نماذج تحليلية تستند إلى متغيرات اقتصادية فعلية، هذا النّهج يعكس اقتراباً من المدارس الحديثة في الاقتصاد التطبيقي، حيث يتم تحليل البيانات الاقتصادية ضمن سياقات زمنيّة ومكانية محددة، بناء سيناريوهات مُستقبليّة قابلة للقياس، وتقديم توصيات مُرتبطة بأدوات تنفيذية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر، تحويل المعرفة الأكاديميّة إلى أداة تدخّل اقتصادي.
كما يعكسُ المؤتمر برأي الغريب بداية انفتاح علمي إقليمي وتكريساً للشّراكة بين الأكاديميات والقطاعات الاقتصادية، وهو ما يُعدّ عُنصراً حاسماً في أي تجربة إعادة إعمار ناجحة.
الفُرصة والتّحدي
إلا أنه وبالرّغم من الزّخم العلمي، يبقى التحدي الحقيقي وفق رؤية الغريب في تحويل التوصيات إلى سياسات، فالتّجارب العالميّة تُشير إلى فجوة مُتكررة بين مُخرجات المؤتمرات والتطبيق الفعلي، وبالتالي، فإن نجاح هذه الجهود مرهون بوجود قنوات مُؤسسيّة تربط الباحثين بصُنّاع القرار، تبنّي الحكومة لنهج قائم على الأدلّة، وتوفير بيئة تشريعيّة تدعم الابتكار والاستثمار.
إذا ما تم استثمار هذه المُخرجات بشكل صحيح، فإن سوريا لا تُعيد فقط بناء ما دمّرته الحرب، بل قد تُؤسّس لنموذج اقتصادي جديد أكثر كفاءة واستدامة، نموذج يبدأ من الجامعة، لكنه لا ينتهي عندها.







