اقتصادسوريا

الاقتصاد السوري.. بين الواقعية والشعارات

تداعيات قرار صرف الحوالات الخارجية بالليرة السورية؟

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
تقرير: بارعة جمعة

في الاقتصادات الهشّة، لا تكون القرارات النّقدية مُجرّد أدوات تقنية، بل تتحوّل إلى رهانات سياسية واجتماعية تحمل في طيّاتها آثاراً تتجاوز الأرقام.

قرار مصرف سوريا المركزي فرض تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية وفق السعر الرسمي هو نموذج واضح لهذا النّوع من السياسات، حيث تتقاطع النوايا المُعلنة مع واقع اقتصادي أكثر تعقيداً.

من حيث المبدأ، يبدو القرار مفهوماً ضمن سياق مُحاولة الدولة استعادة السيطرة على سوق القطع الأجنبي، وتعزيز دور القنوات الرسمية في استقبال التحويلات، فالدول التي تعاني من شحّ العملات الأجنبية غالباً ما تلجأ إلى أدوات مُشابهة للحد من التسرّب النقدي، وإبقاء الدولار داخل النظام المالي، لكن المشكلة في الحالة السورية لا تكمن في الهدف، بل في الأداة.

الاقتصاد لا يعمل بالتمنيات، بل بالثقة، وعندما يُفرض على المواطن استلام حوالته بعملة محلية تفقد جزءاً من قيمتها مُقارنة بالسوق، فإن الرسالة الضمنية ليست دعم الليرة، بل تحميله كلفة الفجوة بين الواقع والسياسة، هذه الفجوة، التي تصل في بعض الأحيان إلى نسب كبيرة، ليست مجرد رقم في نشرات الصّرف، بل اقتطاع مباشر من دخل شريحة واسعة تعتمد أساساً على هذه الحوالات لتأمين معيشتها.

هنا تحديداً يبدأ الخلل، فبدل أن يصبح النظام الرّسمي أكثر جاذبيّة، يتحول إلى خيار أقل جدوى، ومع الوقت، لا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل للتنبؤ بالنتيجة… توسّع في السوق المُوازية، وازدهار القنوات غير الرسميّة، وتراجع في تدفّقات العملات الأجنبية إلى المؤسسات النّظامية، أي أن السياسة المُصممة لضبط السوق قد تسهم عملياً في فقدان السيطرة عليه.

الأمر لا يتعلق فقط بالمُستفيدين من الحوالات، بل يمتد إلى صورة الاقتصاد ككل، المُستثمر، سواءً كان محليّاً أو خارجيّاً، يُراقب مثل هذه القرارات بعين حذرة، فحين يرى قيوداً على حركة العُملات أو تدخلاً مُباشراً في تحديد قيمتها، فإن ذلك يرفع منسوب المخاطر، ويضعف الثّقة ببيئة الاستثمار، وفي اقتصاد يحتاج بشدّة إلى رؤوس الأموال، قد يكون لهذا الأثر ما هو أبعد من مُجرّد قرار عابر.

الأكثر إشكالية هو التناقض بين هذا التوجّه والتصريحات الرسمية التي تتحدث عن تبنّي اقتصاد السوق الحر، لا يمكن الجمع بين تحرير الأسواق وفرض أسعار إدارية في آن واحد دون خلق حالة من الازدواجية التي تُربك الفاعلين الاقتصاديين، فالسوق، بطبيعته، لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب للحوافز.

قد ينجح القرار نظرياً في تحقيق بعض المكاسب قصيرة الأجل، كزيادة مُؤقتة في تدفقات الليرة أو تعزيز مظهر السيطرة النقدية، لكن التجارب المُشابهة تُشير إلى أن هذه المكاسب غالباً ما تكون هشّة، وسُرعان ما تتلاشى أمام ديناميكيات السوق الحقيقية، خاصّة عندما يكون هناك فارق واضح بين السعر الرسمي والسعر الموازي.

في النّهاية، ليست المشكلة في محاولة تنظيم السوق، بل في تجاهل قواعده، فكلما اتسعت الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع الاقتصادي، زادت كلفة هذه الفجوة على المواطن أولًا، وعلى الدولة لاحقاً، والسؤال الذي يبقى مفتوحاً… هل يمكن ضبط سوق العملة بقرارات إدارية، أم أن الطريق الأقصر يمر عبر استعادة الثّقة وتقليص الفجوة بدل فرضها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews