تقارير و تحقيقاتعلوم وتكنولجيا

الإعلام المحلي في الجزائر بين تحديات الاستمرار وطموحات صناعة التأثير

مساحة اعلانية 4

عبد القادر عقون: الإعلام الجزائري بحاجة إلى الانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة صناعة التأثير

إعداد: الدكتورة سارة جودي – شبكة مراسلين

تواجه المؤسسات الإعلامية المحلية في الجزائر تحديات متزايدة تتعلق بالتمويل والاستمرارية والتحول الرقمي، في وقت لا يزال فيه انتشار القنوات والمنصات المحلية محدوداً مقارنة باتساع جغرافيا البلاد وتنوع مجتمعاتها واحتياجاتها الإعلامية.

ورغم هذه التحديات، تواصل بعض التجارب الإعلامية أداء رسالتها، معتمدة على العمل الميداني والتغطية المستمرة لقضايا المواطنين، ومن بينها شبكة الهضاب TV، التي تسعى إلى ترسيخ حضورها بوصفها مؤسسة إعلامية رقمية ذات امتداد وطني.

وفي هذا الحوار مع شبكة مراسلين، يتحدث المدير العام لشبكة الهضاب TV، عبد القادر عقون، عن فلسفة المؤسسة وسياستها التحريرية، وأبرز التحديات التي تواجه الإعلام الجزائري، إلى جانب رؤيته لمستقبل القطاع في ظل التحولات الرقمية والاقتصادية المتسارعة.

الإعلام شريك في التنمية وصناعة الوعي

يؤكد عبد القادر عقون أن فكرة إنشاء شبكة الهضاب TV لم تنطلق بوصفها مشروعاً يقتصر على نقل الأخبار، وإنما جاءت انطلاقاً من قناعة بأن الإعلام قادر على القيام بدور يتجاوز وظيفته الإخبارية التقليدية، ليصبح شريكاً في التنمية وصناعة الوعي وخدمة المجتمع.

ويقول إن المؤسسة حرصت، منذ انطلاقها، على بناء إعلام قريب من المواطن، يضمن حق الجمهور في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة، ويتفاعل مع انشغالاته وقضاياه اليومية.

ويضيف أن رسالة الشبكة تقوم على اعتبار الإعلام مسؤولية مجتمعية قبل أن يكون نشاطاً مهنياً، وهو ما انعكس على طبيعة المحتوى الذي تقدمه، وعلى أسلوب معالجتها لمختلف القضايا التي تهم المواطن الجزائري.

الخبر الحقيقي هو ما يلامس حياة المواطن

وحول المعايير التي تعتمدها الشبكة في اختيار موضوعاتها وتحديد أولوياتها، يوضح عقون أن السياسة التحريرية تنطلق من قاعدة أساسية مفادها أن:

«الخبر الحقيقي هو كل ما يلامس حياة المواطن ويؤثر في المجتمع».

وبناءً على هذا التصور، لا تقتصر تغطيات الشبكة على الأخبار والأنشطة الرسمية، وإنما تشمل المبادرات المجتمعية، والفعاليات الثقافية والاقتصادية والرياضية، إلى جانب القصص الإنسانية التي تشكل جزءاً أساسياً من رسالتها الإعلامية.

ويرى أن القصص الإنسانية تسهم في إبراز النماذج الإيجابية داخل المجتمع، وتسليط الضوء على المبادرات التي تصنع الأمل وتدفع عجلة التنمية.

كما تعتمد الشبكة في تحديد أولوياتها التحريرية على العمل الميداني اليومي، والتواصل المباشر مع المواطنين، ومتابعة القضايا المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يساعد على فهم اهتمامات الجمهور وتوجيه التغطية نحو الملفات الأكثر ارتباطاً بحياته اليومية.

مؤسسة رقمية ذات امتداد وطني

ورغم ارتباط اسم الهضاب TV في أذهان بعض المتابعين بالشأن المحلي، يؤكد عقون أنها مؤسسة إعلامية رقمية ذات بعد وطني، ولا يقتصر نشاطها على ولاية أو منطقة جغرافية بعينها.

ويشير إلى أن الشبكة تواكب الأحداث المحلية والوطنية، كما تتابع القضايا الإقليمية والدولية التي تحظى باهتمام الرأي العام الجزائري، مع الحفاظ على أولوية القضايا القريبة من المواطن.

التغطية الإعلامية أداة لتحريك القضايا

وعن تأثير التغطيات الإعلامية التي أنجزتها الشبكة، يوضح عقون أن الإعلام لا ينبغي أن يكتفي بعرض المشكلات، وإنما يمكنه الإسهام في البحث عن الحلول، أو على الأقل توجيه أنظار الجهات المختصة وصناع القرار إلى القضايا المطروحة.

ويكشف أن شبكة الهضاب TV أنجزت، في أكثر من مناسبة، تقارير ميدانية تناولت انشغالات المواطنين في مجالات الخدمات العمومية والبنية التحتية والقضايا الاجتماعية والإنسانية.

وقد أسهمت بعض هذه التغطيات، وفق عقون، في دفع الجهات المعنية إلى التفاعل مع الملفات المطروحة واتخاذ خطوات لمعالجتها.

ويرى أن هذه النتائج تؤكد قدرة الإعلام المسؤول على تجاوز نقل الحدث، ليصبح قوة اقتراح ومرافقة للتنمية، شريطة الالتزام بالدقة والموضوعية، وتقديم قضايا المجتمع بعيداً عن الإثارة والتهويل.

السبق الحقيقي هو نشر الخبر الصحيح

وفي حديثه عن التحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي، يلفت عقون إلى أن سرعة انتشار الأخبار عبر المنصات الرقمية فرضت تحديات جديدة على المؤسسات الإعلامية، إلا أن المنافسة على السبق الصحفي لا ينبغي أن تكون على حساب صحة المعلومات.

ويؤكد أن فلسفة الشبكة تقوم على أن:

«السبق الحقيقي ليس أن تكون أول من ينشر الخبر، بل أن تكون أول من ينشر الخبر الصحيح».

ولهذا، تحرص المؤسسة على التحقق من المعلومات والرجوع إلى مصادرها قبل النشر، انطلاقاً من أن ثقة الجمهور لا تُبنى إلا بالمصداقية.

ويصف عقون المصداقية بأنها رأس مال المؤسسة الإعلامية، وأهم عنصر يضمن استمرارها في بيئة تتسم بسرعة تداول المعلومات وتعدد مصادر الأخبار وانتشار المحتوى غير المهني.

تحديات اقتصادية ورقمية متزايدة

ويرى المدير العام لشبكة الهضاب TV أن واقع الإعلام الجزائري يواجه تحديات معقدة تتجاوز حدود كل مؤسسة على حدة، ويأتي في مقدمتها التحول الرقمي المتسارع، والمنافسة المتزايدة التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي.

وقد غيرت هذه المنصات عادات الجمهور في استهلاك الأخبار، ودفعت المؤسسات الإعلامية إلى إعادة النظر في أساليب إنتاج المحتوى وآليات نشره وطرق الوصول إلى المتابعين.

ولا يقل الجانب الاقتصادي أهمية عن التحدي الرقمي، إذ يعد تمويل المؤسسات الإعلامية وضمان استدامتها من أكثر الملفات حساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الموارد التقليدية وتغير سوق الإعلانات.

ويؤكد عقون أن استمرار أي مؤسسة إعلامية لم يعد مرتبطاً فقط بكفاءة فريقها أو جودة محتواها، وإنما يحتاج أيضاً إلى بيئة اقتصادية وتشريعية داعمة، تمكنها من أداء رسالتها وتطوير أدواتها ومواكبة التحولات المتسارعة في القطاع.

الجمهور يبحث عن التحليل لا مجرد الخبر

وعلى مستوى تطور المحتوى، يرى عقون أن المرحلة المقبلة تفرض على المؤسسات الإعلامية الذهاب إلى أبعد من مجرد نقل الأخبار، والاستثمار في محتوى أكثر عمقاً وقدرة على التحليل والتفسير.

فالجمهور، بحسب تعبيره، لم يعد يبحث فقط عن معرفة ما حدث، وإنما ينتظر محتوى يقدم قيمة مضافة، ويضع الوقائع في سياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويساعده على تكوين فهم أشمل للقضايا التي تهمه.

ومن هذا المنطلق، يتوقع عقون أن يتجه مستقبل الإعلام نحو البرامج المتخصصة، والتحقيقات الصحفية، والأفلام الوثائقية، والمحتوى الرقمي التفاعلي، وهي مجالات تحظى باهتمام متزايد ضمن الخطط المستقبلية لشبكة الهضاب TV.

ولا ينظر إلى هذا التوجه بوصفه خياراً برامجياً فحسب، وإنما باعتباره استجابة طبيعية لتحولات الجمهور والتطورات التي تشهدها الممارسة الإعلامية في العالم.

توثيق الذاكرة الجزائرية

ويعتبر عقون أن المحتوى المتخصص والوثائقي يمثل فرصة حقيقية أمام الإعلام الجزائري لإبراز ثراء المجتمع وتنوعه، خاصة أن الجزائر تزخر بالشخصيات والكفاءات والقصص الإنسانية والتراثية التي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التوثيق والتعريف.

ويشير إلى أن ولاية سطيف، شأنها شأن مختلف ولايات البلاد، تمتلك ذاكرة غنية بالأحداث والمعالم والشخصيات والتجارب التي تستحق أن تتحول إلى أعمال إعلامية ووثائقية.

ومن شأن هذه الأعمال، وفق رؤيته، الإسهام في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية، ونقل الإرث التاريخي والاجتماعي إلى الأجيال الجديدة.

خطة للتوسع في مختلف الولايات

ولا يتوقف طموح شبكة الهضاب TV عند تطوير طبيعة المحتوى، بل يمتد إلى توسيع حضورها على المستوى الوطني.

ويقول عقون إن الشبكة أصبحت مؤسسة إعلامية رقمية متكاملة، تمتلك استوديو احترافياً وتجهيزات تقنية متطورة، مكّنتها من إنتاج محتوى إعلامي في مجالات متعددة.

وخلال السنوات الخمس المقبلة، تطمح الشبكة إلى فتح مكاتب وتعيين مراسلين في مختلف ولايات الجزائر، وتعزيز الإنتاج التلفزيوني والرقمي، وإطلاق برامج نوعية وأعمال وثائقية، إلى جانب تطوير منصاتها الرقمية.

كما تخطط للاستثمار بصورة أكبر في تكوين الصحفيين الشباب، بهدف بناء كفاءات إعلامية جديدة، وترسيخ مكانة الشبكة بين المؤسسات الإعلامية الرقمية البارزة في الجزائر.

من مرحلة البقاء إلى صناعة التأثير

وفي رؤيته لمستقبل الإعلام الجزائري، يؤكد عقون أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاكتفاء بمحاولات الاستمرار إلى صناعة التأثير الحقيقي في المجتمع والرأي العام.

ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب الاستثمار في العنصر البشري من خلال التكوين المستمر، وتبني التقنيات الحديثة، وتشجيع الابتكار، وتوفير مناخ اقتصادي يدعم المؤسسات الإعلامية الجادة ويمنحها فرصاً أكبر للنمو والتطور.

ويعتبر أن هذه العوامل من شأنها أن تنعكس بصورة مباشرة على جودة المحتوى، وتعزز قدرة المؤسسات الإعلامية على أداء دورها في خدمة المجتمع والتأثير الإيجابي في النقاش العام.

مستقبل الإعلام للمنصات الرقمية المهنية

ويؤكد عقون أن مستقبل الإعلام الجزائري سيكون للإعلام الرقمي المهني القادر على الجمع بين سرعة الوصول إلى الجمهور وجودة المحتوى والالتزام بأخلاقيات المهنة.

فالتكنولوجيا، رغم أنها غيرت أدوات إنتاج الأخبار وطرق نشرها واستهلاكها، لم تغير جوهر العمل الصحفي الذي سيظل قائماً على المصداقية والتحليل والدقة والقدرة على تقديم معلومات موثوقة تساعد الجمهور على فهم الواقع، وليس مجرد متابعة أحداثه.

رسالة إلى الصحفيين الشباب

ويختتم عبد القادر عقون حديثه برسالة إلى الشباب الراغبين في دخول عالم الإعلام، داعياً إياهم إلى التعامل مع الصحافة بوصفها رسالة قبل أن تكون وظيفة.

كما يحثهم على الاستثمار في التكوين المستمر، واكتساب المهارات الرقمية، والتمسك بالحقيقة وأخلاقيات المهنة، مؤكداً أن الإعلام يحتاج اليوم إلى صحفيين يجمعون بين الكفاءة والوعي والاستقلالية والمسؤولية.

ويشدد على أن بناء الثقة مع الجمهور يظل أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، لأن هذه الثقة هي الأساس الذي يمنح العمل الإعلامي قيمته وتأثيره واستمراره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews