أخباراقتصاد

استنزف الأسواق.. مخاطر استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد العالمي

إعداد: القسم الاقتصادي
29 يوليو/تموز 2026

لم تعد الحرب الأمريكية على إيران أزمة عسكرية محصورة في حدود الشرق الأوسط، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الصدمات التي تواجه الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا. فاستمرار المواجهة، وتعثر المساعي الدبلوماسية، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، عوامل تدفع أسعار الطاقة والتأمين والنقل إلى الارتفاع، وتعيد إشعال التضخم في وقت تعاني فيه الاقتصادات أصلًا من تباطؤ النمو وارتفاع الديون.

وبعد تراجع أسعار النفط مؤقتًا مع توقف الضربات عدة أيام، عادت الأسواق إلى الارتفاع عقب تجدد التصعيد؛ إذ صعد خام برنت في أحدث التعاملات إلى نحو 84.58 دولارًا للبرميل، بزيادة تجاوزت 3%، وسط مخاوف من اتساع المواجهة واحتجاز ناقلات في مضيق هرمز. أسوشيتد برس

مضيق هرمز في قلب الأزمة

تتمثل أخطر التداعيات الاقتصادية للحرب في استمرار القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، فضلًا عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق تراجعت من قرابة 20 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع المواجهة إلى متوسط لا يتجاوز 2.7 مليون برميل يوميًا خلال مارس وأبريل ومايو، فيما تجاوزت خسائر الإمدادات التراكمية من منتجي الشرق الأوسط 1.3 مليار برميل. وكالة الطاقة الدولية

كما أدى اضطراب المرور في المضيق إلى انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بأكثر من 300 مليون متر مكعب يوميًا، بما يعادل فقدان أكثر من ملياري متر مكعب أسبوعيًا. وكالة الطاقة الدولية

ويمثل استمرار هذا الوضع تهديدًا مباشرًا للدول الآسيوية والأوروبية المستوردة للطاقة، كما يرفع تكاليف الكهرباء والصناعة والأسمدة والنقل البحري.

النفط بين تقلبات الحرب واحتمالات تجاوز 100 دولار

تتحرك أسعار النفط حاليًا وفق التطورات العسكرية والسياسية أكثر من تحركها وفق العرض والطلب التقليديين. فقد ارتفع خام برنت بأكثر من 9% في جلسة واحدة خلال يوليو، مسجلًا 83.30 دولارًا، عقب إعلان واشنطن توسيع حصار السواحل والموانئ الإيرانية. رويترز

ثم انخفض بنحو 5% مع توقف الضربات وظهور آمال في استئناف المفاوضات، قبل أن يعاود الارتفاع مع تجدد المواجهة. ويعكس هذا التقلب هشاشة الأسواق وصعوبة بناء توقعات مستقرة للأسعار.

وفي حال استمرار الحرب وإغلاق هرمز لفترة أطول، قد تتجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل. أما إذا تعرضت منشآت إنتاج أو تصدير رئيسية في الخليج لأضرار مباشرة، فقد تشهد الأسواق قفزات أشد، خصوصًا مع محدودية قدرة الدول المنتجة خارج المنطقة على تعويض النقص سريعًا.

تباطؤ اقتصادي عالمي

خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 2.5%، مقارنة بـ2.9% في توقعاته السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد التضخم وتشديد الأوضاع المالية. وحذر من احتمال هبوط النمو إلى 1.3% إذا استمرت الحرب وتعطل تدفق الطاقة لفترة طويلة. البنك الدولي

ويعني ذلك اقتراب الاقتصاد العالمي من حالة «الركود التضخمي»، حيث يتزامن ضعف النمو مع ارتفاع الأسعار. وتعد هذه الحالة من أصعب السيناريوهات أمام الحكومات والمصارف المركزية، لأن خفض الفائدة لدعم النمو قد يزيد التضخم، بينما يؤدي رفعها إلى تقليص الاستثمار والاستهلاك.

ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال 2026، بعد تخفيض تقديراته بفعل تداعيات الحرب وصدمة الطاقة. كما حذر من أن ارتفاع أسعار السلع واضطراب التجارة وتشديد الأوضاع المالية يختبران قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود. صندوق النقد الدولي

موجة تضخم جديدة

لا تتوقف آثار ارتفاع النفط عند أسعار الوقود، بل تنتقل إلى معظم السلع والخدمات من خلال تكاليف الشحن والإنتاج والكهرباء.

وتشمل دائرة التأثير:

  • ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات.
  • زيادة تكلفة نقل الغذاء والمواد الخام.
  • ارتفاع أسعار الأسمدة والمنتجات الزراعية.
  • زيادة تكاليف الكهرباء والغاز على المصانع.
  • ارتفاع أسعار تذاكر السفر والشحن البحري.
  • تراجع القوة الشرائية للأسر.

وقد انعكست الحرب بالفعل على المستهلك الأمريكي؛ إذ ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 4.10 دولارات للغالون، وتراجعت ثقة المستهلكين مع عودة التضخم إلى صدارة المخاوف الاقتصادية. أسوشيتد برس

الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد

يمثل استمرار الحرب خطرًا متزايدًا على حركة التجارة الدولية. فشركات الملاحة تضطر إلى تغيير المسارات أو الانتظار فترات طويلة، بينما ترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن والناقلات.

وتؤدي زيادة تكلفة النقل إلى ارتفاع الأسعار حتى في الدول البعيدة عن منطقة الصراع، خصوصًا الدول التي تعتمد على استيراد الغذاء والوقود والمواد الصناعية. كما قد تتأخر الشحنات ويتراجع المخزون وترتفع تكاليف التخزين والتمويل.

ولا تقتصر المخاطر على هرمز؛ إذ يؤدي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في البحر الأحمر وباب المندب إلى ضغط مزدوج على طرق التجارة بين آسيا وأوروبا. وإذا ظلت الممرات البحرية الرئيسية مضطربة في الوقت نفسه، فإن سلاسل الإمداد العالمية قد تواجه أزمة شبيهة باضطرابات فترة جائحة كورونا، ولكن بتكاليف طاقة أعلى.

الدول العربية بين الرابحين والخاسرين

تختلف تداعيات الحرب على الاقتصادات العربية باختلاف اعتمادها على تصدير أو استيراد الطاقة.

قد تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار وزيادة الإيرادات، بشرط استمرار قدرتها على الإنتاج والتصدير. لكن هذه المكاسب قد تتراجع بسبب ارتفاع تكاليف التأمين، أو تعطل الموانئ والممرات البحرية، أو تعرض المنشآت النفطية لهجمات.

أما الدول العربية المستوردة للطاقة، فتواجه ضغوطًا أشد تتمثل في ارتفاع فاتورة الوقود والكهرباء والغذاء، واتساع عجز الموازنات، وزيادة الحاجة إلى العملات الأجنبية. وقد تضطر بعض الحكومات إلى خفض دعم الطاقة أو زيادة الاقتراض، بما يضيف أعباء جديدة على المواطنين.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews