عربي و دولي

من الدريعات إلى كاليدونيا.. قصة أخوين جزائريين أضاعهما المنفى الاستعماري

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
كتب: مولود سعد الله

أعاد صانع المحتوى والرحالة الجزائري مهدي بن شطاح، مؤخراً، تسليط الضوء على الجزائريين المنفيين في كاليدونيا الجديدة، على بُعد آلاف الكيلومترات من الجزائر، في أقصى المحيط الهادئ، حيث يعيش اليوم أحفاد جزائريين لا تزال ذاكرتهم مرتبطة بأرض لم يروها قط، بعدما نُفي أجدادهم إليها خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، في ملفٍ مؤلم وغامض من تاريخ الجزائر.

وأعاد معه أيضاً أسئلة قديمة ظلت حاضرة في ذاكرة بعض العائلات الجزائرية، التي بقيت تحتفظ بروايات عن أقارب اختفوا ذات يوم ولم يعودوا أبداً.

تمرد قبل الثورة ونفي إلى كاليدونيا الجديدة

من بين هذه الروايات، تبرز قصة متداولة في منطقة الدريعات الجبلية، التابعة لبلدية حمام الضلعة بولاية المسيلة، عن شخصين من عائلة سعدالله يُدعيان أحمد ومحمد.
يُقال – بحسب روايات كبار السن – إنهما نُفيا إلى كاليدونيا الجديدة خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية، وذلك قبل اندلاع الثورة التحريرية.

وبحسب ما روته لنا الحاجة أم خ. حويش، أرملة أ. ح. سعدالله، فإن الأخوين «نفاقا فرنسا»، أي تمرّدا على السلطات الفرنسية مبكراً قبل الثورة بسنوات، واتخذا من جبل الدريعات ملجأً لهما ومنطلقاً لنشاطهما، في وقت كانت السلطات الاستعمارية تلاحقهما باستمرار بسبب عصيانهما للإدارة الاستعمارية.

«السينيڨال» وأسلوب الترهيب الاستعماري في مداهمة القرى

وروت الحاجة أن القوات الفرنسية استعانت بجنود أفارقة كان الأهالي يسمونهم محلياً «السينيڨال»، أي السنغاليين، الذين كانت فرنسا الاستعمارية توظّفهم لتخويف الأهالي وترهيبهم، ومداهمة البيوت والضغط عليهم.

تسليم الأخوين أنفسهما: فداء العائلة وبداية طريق المنفى

ومع تواصل البحث عنهما وتزايد معاناة العائلة وأبناء القرية جراء الملاحقة، يُروى أن أحمد ومحمد قررا في النهاية تسليم أنفسهما للسلطات الاستعمارية حتى يوقفا معاناة أهلهم.

وتبقى بعض التفاصيل الصغيرة التي روتها الحاجة أم خ. ح. عالقةً في الذاكرة إلى اليوم؛ إذ يُقال إن أحمد كان أسمر البشرة، صاحب نظرات حادة، وأنه قال ذات مرة لابنة عمه بالعامية: «منقدرش نخلي أهلي وولاد عمومتي يتمرمدوا؟»، قبل أن يصطحب أخاه ويسلّما أنفسهما، ليُنفيا بعدها إلى كاليدونيا الجديدة وتنقطع أخبارهما تماماً.

ذاكرة شفوية وغياب الوثائق: ما تبقى من قصة المنفيين

اليوم، وبعد مرور عشرات السنين، لم يتبقَّ من القصة سوى الروايات المتناقلة بين أفراد العائلة، في وقت لا يعلم فيه أبناء عمومتهما إن كان الأخوان قد خلّفا أحفاداً هناك، أو إن كانت أسماؤهما لا تزال محفوظة في أرشيف المنفى أو لدى عائلات جزائرية تعيش إلى اليوم في كاليدونيا الجديدة.

ورغم غياب وثائق رسمية تؤكد الرواية حتى الآن، فإن تشابهها الكبير مع قصص كثيرة موثقة عن الجزائريين المنفيين يجعل من هذه الحكاية جزءاً محتملاً من ذاكرة جزائرية لا تزال تبحث عن نفسها بعد أكثر من قرن.

من يعرف مصير أحمد ومحمد في كاليدونيا الجديدة؟

في زمن الاستعمار، كانت فرنسا تنفي الأشخاص وتنفي معهم أسماءهم وحكاياتهم وذكرياتهم، تاركةً وراءها عائلات لا تملك سوى الروايات الشفوية وانتظار خبر قد يأتي بعد عشرات السنين.

واليوم، يأمل أبناء عائلة سعدالله أن يصل هذا النداء إلى أي شخص يملك معلومة أو وثيقة أو أثراً يساعد على معرفة مصير أحمد ومحمد، أو ربما الوصول إلى أحفادهما المحتملين في كاليدونيا الجديدة، بعدما فرّقت بينهم وبين وطنهم سنوات المنفى الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews