أخبارتركياتقارير و تحقيقاتمصر

بعد الاتفاق النووي السعودي الأميركي.. إسرائيل تخشى «تأثير الدومينو» في المنطقة

قنبلة مؤجلة أم طاقة مدنية؟ إسرائيل تشكك في مستقبل البرنامج السعودي

ترجمة وتحرير: أبوبكر إبراهيم أوغلو


أثار اتفاق التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية موجة واسعة من القلق داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وسط تحذيرات من أن السماح للمملكة بتطوير قدرات لتخصيب اليورانيوم على أراضيها قد يدفع دولًا أخرى، وفي مقدمتها تركيا ومصر، إلى المطالبة بالمعاملة نفسها، بما يفتح الباب أمام سباق نووي إقليمي يصعب احتواؤه.

وبحسب ما أوردته صحيفتا «معاريف» و«يديعوت أحرونوت» الإسرائيليتان، فإن مكمن القلق لا يتعلق بنوايا القيادة السعودية الحالية بقدر ما يرتبط بما قد تؤول إليه القدرات النووية والتكنولوجية للمملكة بعد عشرة أو عشرين عامًا، في ظل احتمال تغير الأنظمة والتحالفات وموازين القوى في المنطقة.

احتفاء سعودي وقلق إسرائيلي

احتفت الصحف السعودية بالاتفاق، ووصفته بأنه «تاريخي» و«تأسيسي»، وبداية لشراكة استراتيجية تمتد لعقود بين الرياض وواشنطن.

وقالت صحيفة «عكاظ» إن الاتفاق يؤسس لشراكة نووية سعودية أميركية لمدة 30 عامًا، ويتيح تخصيب اليورانيوم، فيما اعتبرت «الشرق الأوسط» أنه يؤسس لشراكة طويلة الأمد. أما صحيفة «الرياض» فقالت إن البلدين وقّعا اتفاقًا للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

في المقابل، تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى الاتفاق بوصفه تحولًا جوهريًا في السياسة الأميركية الخاصة بمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، لا سيما أنه يترك الباب مفتوحًا أمام تنفيذ أنشطة تخصيب داخل الأراضي السعودية.

ويزداد القلق الإسرائيلي بسبب فصل الاتفاق النووي عن مسار تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، بعدما كان مشروع التعاون خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن جزءًا من صفقة إقليمية أوسع تتضمن إقامة علاقات رسمية بين الرياض وتل أبيب.

لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفق الرواية الإسرائيلية، وافقت على المضي في التعاون النووي من دون مطالبة السعودية بالتطبيع، ومن دون إشراك إسرائيل بصورة كافية في صياغة الضمانات والترتيبات الأمنية.

الاتفاق لا يتضمن «المعيار الذهبي»

يمتد الاتفاق، وفق تقرير «يديعوت أحرونوت»، لمدة 30 عامًا، وتُقدّر قيمته بعشرات مليارات الدولارات، إذ يُفترض أن يمنح الشركات الأميركية دورًا رئيسيًا في إنشاء وتطوير البنية التحتية النووية السعودية، في مقابل تقليص فرص الشركات الأجنبية المنافسة.

غير أن الانتقادات الإسرائيلية تتركز على عدم تضمين الاتفاق ما يُعرف أميركيًا بـ«المعيار الذهبي»، وهو النموذج الذي يقوم على التخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي داخل الدولة المستفيدة، لمنع انتقالها من البرنامج المدني إلى القدرة العسكرية.

ويتضمن الاتفاق، بحسب التقارير الإسرائيلية، إمكانية إنشاء شركات أميركية منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل السعودية، إذا خلص تقييم أميركي–سعودي مشترك إلى أن إقامة المنشأة مبررة.

ويرى الإسرائيليون أن مجرد امتلاك السعودية للخبرة الفنية والبنية التحتية وسلسلة الإمداد والكوادر البشرية المؤهلة سيقلّص المدة المطلوبة للانتقال من برنامج نووي مدني إلى «قدرة عتبة نووية»، حتى إذا لم تتخذ الرياض قرارًا فعليًا بإنتاج سلاح نووي.

التخصيب المدني والعسكري.. التكنولوجيا واحدة

قال أفنير فيلان، المسؤول السابق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والخبير في الملف النووي، إن الاتفاق قد يؤسس لما وصفه بـ«سابقة خطرة»، إذ يمكن لدولة عربية مركزية في الشرق الأوسط أن تحصل، برعاية أميركية، ليس فقط على مفاعلات نووية، وإنما أيضًا على مدخل إلى تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم.

وأضاف أن امتلاك الدولة السيطرة على دورة الوقود النووي وتكنولوجيا التخصيب يقلّص بصورة كبيرة المسافة الفاصلة بين البرنامج المدني والقدرة العسكرية الكامنة.

وأوضح أن أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في إنتاج وقود منخفض التخصيب للمفاعلات المدنية يمكن، بعد إجراء تعديلات فنية واتخاذ قرار سياسي، استخدامها لإنتاج مواد عالية التخصيب صالحة للأغراض العسكرية.

وشدد على أن ذلك لا يعني أن السعودية ستتجه قريبًا إلى صنع قنبلة نووية، لكنه يمنحها المعرفة والبنية التحتية والعاملين وسلسلة التوريد اللازمة للحصول على المواد الانشطارية خلال فترة أقصر إذا تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية.

السؤال الإسرائيلي: ماذا بعد عشرين عامًا؟

تقول القراءة الأمنية الإسرائيلية إن الخطأ يكمن في تقييم البرنامج السعودي استنادًا فقط إلى طبيعة العلاقات الراهنة مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أو إلى المصالح المشتركة بين السعودية وإسرائيل في مواجهة إيران.

فالمنشآت والخبرات النووية، وفق هذه القراءة، قد تبقى لعشرات السنين، بينما تتغير الأنظمة السياسية والتحالفات والمصالح الإقليمية بوتيرة أسرع.

ويحذر فيلان من أن السؤال الحقيقي ليس ما تعتزم السعودية فعله اليوم، وإنما طبيعة النظام الذي قد يحكم المملكة، وشكل البيئة الإقليمية، ومصير التحالفات القائمة بعد عشرة أو عشرين عامًا.

تركيا ومصر في قائمة المطالبين المحتملين

تتخوف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن يؤدي الاتفاق إلى «تأثير الدومينو»، إذ قد تجد تركيا صعوبة في قبول معادلة تمتلك فيها إيران المعرفة والبنية التحتية للتخصيب، وتحصل السعودية على شرعية أميركية لتطوير قدرة مماثلة، بينما يُطلب من أنقرة البقاء خارج هذا المسار.

وبحسب التقديرات الواردة في الصحافتين، قد تكون تركيا الدولة التالية التي تطالب بحق تخصيب اليورانيوم محليًا، ثم قد تتحرك مصر للمطالبة بمعاملة مماثلة، باعتبارها إحدى الدول العربية الكبرى وصاحبة برنامج نووي مدني وطموحات إقليمية تاريخية.

وقد يمتد الأمر، وفق السيناريو الإسرائيلي المتشائم، إلى دول خليجية أخرى أو ما تسميه الصحافة العبرية «الإمارات والملكيات الخليجية»، خصوصًا إذا أصبح امتلاك دورة الوقود النووي معيارًا للقوة والمكانة الإقليمية.

ولا يشترط بدء هذا السباق أن تقرر أي من هذه الدول تصنيع قنبلة نووية؛ إذ يكفي أن تطالب كل دولة بامتلاك المعرفة والمنشآت التي تجعلها قادرة على الوصول إلى السلاح خلال فترة قصيرة إذا اقتضت الظروف ذلك.

مأزق إسرائيلي في مواجهة إيران

يمثل الاتفاق، وفق التحليلات الإسرائيلية، مشكلة إضافية لمحاولات إسرائيل والولايات المتحدة إلزام إيران بالتخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

فمن الصعب، بحسب فيلان، تقديم التخصيب باعتباره حقًا مشروعًا للسعودية وفي الوقت نفسه وصفه بأنه تهديد وجودي عندما تمارسه إيران. وستتمكن طهران من توظيف السابقة السعودية لرفض أي اتفاق مستقبلي يتضمن خفض تخصيب اليورانيوم إلى الصفر.

ومن شأن ذلك أن يضعف الأساس السياسي الذي تستند إليه المطالب الإسرائيلية تجاه إيران، وينقل المنطقة من وضع تسعى فيه دولة واحدة إلى الوصول لمكانة «دولة العتبة»، إلى بيئة تمتلك فيها دول عدة قدرات أو تطالب بالحصول عليها.

المطالب الأمنية الإسرائيلية

يدعو خبراء إسرائيليون الحكومة إلى مطالبة واشنطن بثلاثة ضمانات أساسية على الأقل:

  • إلزام السعودية بالتطبيق الكامل للبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • إخضاع دورة الوقود النووي بأكملها لرقابة مستمرة ومشددة.
  • إنشاء آلية أميركية تمنع الرياض من امتلاك سيطرة مستقلة وغير قابلة للتراجع على تكنولوجيا التخصيب.

ويفضّل الخبراء الإسرائيليون إنتاج الوقود المخصب خارج الأراضي السعودية. وإذا أُقيمت منشأة تخصيب داخل المملكة، فإنهم يريدون ربط تشغيلها بصورة دائمة بالمعدات والكوادر وأنظمة التحكم الأميركية.

لكنهم يقرون بأن الرقابة الدولية تستطيع كشف الانحرافات ورفع تكلفة الانتقال إلى المسار العسكري، لكنها لا تستطيع محو المعرفة المتراكمة. فبمجرد امتلاك الدولة للبنية التحتية والخبراء، يصبح من غير الممكن، بحسب التعبير الإسرائيلي، «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

تعاون ضد إيران وخلاف استراتيجي مع الرياض

ترى إسرائيل أن الاتفاق يمكن، على المدى القصير، أن يعزز السعودية في مواجهة إيران ويزيد اعتمادها على الولايات المتحدة. كما توجد مصالح مشتركة بين الرياض وتل أبيب تتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة والنفوذ الإيراني واضطراب النظام الإقليمي.

لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تفصل بين التعاون في مواجهة خصم مشترك وبين القبول بانتشار تكنولوجيا التخصيب النووي. وهي تخشى أن تجد إسرائيل نفسها مطالبة بدعم تعزيز استراتيجي غير مسبوق للسعودية، من دون الحصول في المقابل على اتفاق تطبيع، ومن دون امتلاك تأثير كافٍ في صياغة الشروط والضمانات النووية.

معارضة إسرائيلية تهاجم نتنياهو

استغل قادة المعارضة الإسرائيلية الاتفاق لمهاجمة حكومة بنيامين نتنياهو واتهامها بفقدان القدرة على التأثير في قرارات إدارة ترامب.

ووصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الاتفاق بأنه «إخفاق استراتيجي خطير»، وقال إن تخصيب المواد النووية داخل السعودية قد يقود إلى سباق نووي وفقدان السيطرة على التطورات الإقليمية، مضيفًا أن الشرق الأوسط يحتاج إلى عدد أقل من أجهزة الطرد المركزي لا إلى المزيد منها.

أما رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، فذهب إلى حد الزعم بأن البرنامج النووي المدني السعودي سينتهي بامتلاك سلاح نووي، وطالب الحكومة الإسرائيلية بالتحرك أمام الكونغرس الأميركي لعرقلة الاتفاق.

وقال رئيس حزب «الديمقراطيين» يائير غولان إن إسرائيل، في عهد نتنياهو، فقدت قدرتها على المشاركة في صياغة القرارات الاستراتيجية الأميركية، معتبرًا أن واشنطن لم تعد تتعامل مع تل أبيب بوصفها شريكًا مركزيًا في هذه الملفات.

السيناريو الذي تخشاه إسرائيل

تتلخص المخاوف الإسرائيلية بعيدة المدى في نشوء شرق أوسط يضم عدة دول تمتلك «قدرات عتبة نووية»: إيران والسعودية، وربما تركيا ومصر لاحقًا.

وفي هذا السيناريو، تستطيع كل دولة الانتقال من البرنامج المدني إلى القدرة العسكرية خلال فترة قصيرة نسبيًا، إذا وقع صدام إقليمي، أو تغير النظام السياسي، أو انهارت التحالفات والضمانات الأمنية.

وبذلك لا يدور الجدل الإسرائيلي حول ما إذا كانت السعودية دولة صديقة أو معادية في المرحلة الراهنة، بل حول تداعيات إدخال قدرة تخصيب جديدة إلى المنطقة من دون مقابل سياسي واضح لإسرائيل، ومن دون قيود رقابية وتكنولوجية ترى تل أبيب أنها كافية لمنع استخدامها مستقبلًا أساسًا لبرنامج عسكري.

وتكشف حدة الجدل أن إسرائيل لا تخشى البرنامج السعودي منفردًا فحسب، وإنما تخشى انهيار الاحتكار الإقليمي غير المعلن للقدرة النووية، وتحول التكنولوجيا النووية إلى أداة تنافس ومساومة بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.

المقال محرر بالاستناد إلى تقريري أفي أشكنازي في «معاريف»، ونينا فوكس وليئور بن آري في «يديعوت أحرونوت» بتاريخ 23 يوليو/تموز 2026. المعلومات المتعلقة ببنود الاتفاق والمواقف الأمنية والسياسية منسوبة إلى المصادر الإسرائيلية الناقلة لها. تقرير يديعوت أحرونوت

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews