أزمة السدود: هل تنزلق مياه النيل إلى مواجهة إقليمية؟
أديس أبابا تتعهد بالتحكم الكامل في التدفق، والقاهرة والخرطوم تحذران من فرض الأمر الواقع

شبكة مراسلين
مصعب محمد
القاهرة- الخرطوم- أديس أبابا: دخل التوتر الإقليمي المحيط بملف مياه النيل مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي، عقب تصريحات حادة صدرت عن وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، أكد فيها أن تدفق مياه النيل نحو دولتي المصب «سيكون تحت سيطرة أديس أبابا الكاملة»، مشدداً على ضرورة بناء سدود إضافية على المجرى المائي، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن أديس أبابا «تُجسّد التزامها بدعم استدامة المياه في القارة، وتُثبت ذلك بالأفعال لا بالأقوال فقط عبر مشاريعها القائمة»، وهو ما أثار موجة قلق حادة في القاهرة والخرطوم، مع فتح ملف ربط الموارد المائية باستراتيجية شاملة لإعادة ترسيم معادلات النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وفي رد رسمي حازم، نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصدر مصري مسؤول قوله إن التصريحات الإثيوبية تمثل «إمعاناً في النهج الأحادي وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي»، مؤكداً أنها «تعكس استمرار أوهام فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك، وإخضاعه لإرادة دولة واحدة»، ومشدداً على أن «مصر لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي طرف على تدفقات المياه، وستتخذ كافة التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي لحماية مقدرات شعبها عبر أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ». كما جاء تحذير مماثل على لسان وزير الري المصري السابق، محمد نصر الدين علام، الذي أكد أن «حجب المياه يمثل تهديداً لوجود مصر وشعبها، وهو ما يمنح القاهرة الحق الكامل في الدفاع عن أمنها المائي بكافة الوسائل المتاحة، بما في ذلك الخيارات العسكرية».
وعلى صعيد المواقف السودانية، رأى الصحفي السوداني الهندي عز الدين أن التصريحات الإثيوبية الأخير تمثل إقراراً صريحاً بالتعمد إلى التحكم السياسي والأمني في مياه النيل وحجبها عن دولتي المصب، واصفاً التهديد بحبس المياه بـ«التهديد الوجودي» الذي يضع الخرطوم أمام خيارات حاسمة، ومحذراً من أن سياسات أديس أبابا قد تفجر مواجهة إقليمية واسعة تستعر داخل الأراضي الإثيوبية نفسها وتؤدي إلى العصف بنظام رئيس الوزراء آبي أحمد.

في المقابل، وفي قراءة إثيوبية تحليليّة لهذه التحركات، اعتبر الباحث الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن ما يجري يأتي في إطار «رؤية متكاملة تعيد رسم معادلة القوة في المنطقة»، مشيراً إلى أن النيل والبحر الأحمر استخدما تاريخياً «لتكبيل وحصار إثيوبيا وإشغال دول حوض النيل عن مشاريعها التنموية». وأضاف عبد الصمد أن أديس أبابا وشركاءها يمارسون حقهم في استخدام كل الأدوات المتاحة لحماية مصالحهم الاستراتيجية.
وتأتي التصريحات فيما تشير تقارير إعلامية إلى خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة بطاقة تخزينية مستهدفة تبلغ نحو مئة وأربعين مليار متر مكعب، مما قد يرفع إجمالي الطاقة التخزينية إلى مئتين وأربعة وعشرين مليار متر مكعب، الأمر الذي يرجح إضافة ملف جديد للخلاف المستمر منذ سنوات بين أديس أبابا والقاهرة والخرطوم حول إدارة مياه النيل، ولا سيما قواعد تشغيل السدود خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، في ظل تمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية، بينما تؤكد مصر أن مياه النيل تمثل قضية أمن قومي، وتطالب باتفاق قانوني ملزم يضمن عدم الإضرار بحقوق ومصالح دول المصب.

وفي مقابل الخطاب السياسي المتصاعد، دعت دراسات علمية حديثة إلى تجاوز «روايات الصراع والندرة»، ونقل الملف إلى أطر التكامل العلمي والمائي. وفي ورقة بحثية نشرتها مجلة «نيتشر للاستدامة» (Nature Sustainability) لفريق علمي يترأسه الباحث عصام حجي، أكد الباحثون أن اختزال أزمة مياه النيل في مربع «المواجهة الصفرية» يغفل الحلول العلمية والتقنية الكفيلة بإدارة الموارد المائية بشكل مستدام. وأوضحت الدراسة أن تجاوز حالة الاستقطاب السياسي يتطلب تبني رؤية إقليمية تعتمد على الشفافية في البيانات والأبحاث العابرة للحدود، بما يضمن موازنة الاحتياجات التنموية لدول المنبع مع حماية الأمن المائي الوجودي لدول المصب، بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع أو التهويل بنشوب النزاعات.

ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا لم يعد محصوراً في تفاصيل هندسية بحتة، بل تجاوز ذلك ليصبح صراعاً استراتيجياً من أجل السيطرة التامة على تدفقات المياه. ويشير التحليل إلى أن نهر النيل يمثل لمصر مسألة أمن قومي وجودي، بينما تسعى إثيوبيا عبر هذه الخطوات إلى ترسيخ سيادتها الاقتصادية وتأكيد دورها المحوري كدولة منبع في القرن الأفريقي. كما يحذر الخبراء من أن مضي أديس أبابا في خطط بناء سدود إضافية من شأنه أن يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين النفوذ والضغط السياسي.




