
شبكة مراسلين
عبد الله حسن زيد
بين خشونة الواقع ومرونة الخيال، لم تكن عزه مسعود ترسم مجرد أشكال على الورق، بل كانت تخطّ ملامح قدر سيُعجن لاحقاً بالصلصال والصبر. بدأت الحكاية من شغف مبكر جعل من الفن ملجأها والهوية الأولى، مدفوعةً بإيمان أب جعل من أدوات الرسم طقساً مقدساً، وتشجيع صقل موهبتها لتصبح “الرقم الصعب” في معادلة الجمال السوري المعاصر.
عتبة الاحتراف ما بعد التخرج وانبثاق الهوية
لم يكن نيل الشهادة الجامعية من كلية الفنون الجميلة بدمشق مجرد نهاية لمرحلة دراسية شاقة، بل كان إعلاناً عن ولادة نحاتة ترفض القوالب الجاهزة. عزه التي انتزعت حقها في دراسة الفن وسط أصوات القذائف، انتقلت فور تخرجها من مرحلة “التعلّم” إلى مرحلة “الابتكار”، مؤمنةً بأن الفن الحقيقي ليس في محاكاة الواقع وتفاصيله الجامدة، بل في “التجريد”؛ حيث تتحول الكتلة الصماء إلى فكرة فلسفية تهز وجدان المتلقي.

ثنائية الوجود.. آدم وحواء في رؤية نحتية تُدعى “احتواء”
تعد مرحلة ما بعد التخرج نقطة التحول الجوهري في فلسفتها، إذ جسّد مشروعها “احتواء” رؤيةً إنسانية عميقة تتجاوز الصراع التقليدي بين الجنسين. في أعمالها لا نرى انفصالاً بل تكاملاً، حيث الاندماج الذي لا يلغي الهوية. منحوتات عزه دعوة بصرية للاحتواء المتبادل، يسند فيها كل طرف الآخر في عملية خلق مستمرة، كأنها تعيد صياغة الوجود في كتل متداخلة يصعب فصلها.
الاستحقاق الأكاديمي والعملي
لم تقف عزه عند حدود الموهبة الفطرية، بل سعت إلى صقلها بالتحصيل الأكاديمي الرصين، متنقلةً من دبلوم التأهيل التربوي إلى مرحلة الماجستير. هي اليوم لا تُصنَّف خريجةً فحسب، بل باحثةً أكاديمية وصوتاً نحتياً رصيناً يفرض حضوره في المعارض الدولية والمحلية. وتضع عزه الآن اللمسات الأخيرة على مشروعها الأهم “المعرض الفردي”، الذي لا يعدّه مجرد عرض للأعمال، بل محاولةً عملية للإجابة عن تساؤلات الذات، ومساحةً لمشاركة الجمهور وعياً جديداً بالعلاقة بين الكتلة والفراغ.

بين تجسيد الذات ومحاكاة الواقع
تؤكد عزه أن الفنان لا ينفصل عن لوحته أو منحوتته، فالفن قد يكون تلخيصاً لحالات شعورية داخلية يعيشها المبدع، أو تجسيداً لقضايا اجتماعية أثّرت في وجدانه، كصور الفقد والاعتقال. وبالرغم من أن النحات يُوصف غالباً بالجرأة، فإن عزه تشير إلى نوع من “القيد المزاجي” الذي قد يواجهه الفنان، حيث يعجز أحياناً عن تحويل الشعور الداخلي المجرد إلى شكل مرئي، مما يجعل بعض الأعمال عصيّةً على فهم المتلقي العادي بينما تظل واضحة تماماً في ذاكرة صانعها.
“النحت هو اللغة الصامتة للنحات.. قد أعجز عن قول إنني متيّمة، لكن منحوتاتي تنطق بذلك.”
ثنائية المنحوتة وتمازج المعاني
حول التداخل بين فنّي الرسم والنحت، توضح عزه أن رؤيتها الفنية تميل دائماً نحو “ثلاثية الأبعاد”. ومع ذلك، يظل للرسم مكانته الأساسية بوصفه “سكيتشاً” تحضيرياً لبناء المنحوتة. تقول عزه: “في الرسم يمكن قراءة الفنان نفسياً من خلال حدة اللون أو ضربة الفرشاة، أما في النحت فيواجه المتلقي كتلةً ملموسة يمكن قراءتها من كافة الاتجاهات، سواء كانت واقعية مباشرة أو تجريدية تثير التساؤل.”
الفن رسالة وقضية مجتمعية
بعيداً عن المشاعر الشخصية، يبرز الفن وسيطاً لنقل قضايا المجتمع الشائكة التي قد يستعصي التعبير عنها بالكلمات، كالعنف والاغتصاب. فالفنان، بمختلف اختصاصاته، ناقل للأفكار العامة يجسّدها بصرياً ليقدمها للمجتمع مرآةً تعكس واقعه. وعن علاقة المجتمع بالفن اليوم، ترى عزه أنه “صوت المجتمع البصري”، غير أنه لا يزال يبدو موجهاً لفئة بعينها من “الذواقين”. وتشدد على أن الاحتراف الفني مزيج بين “بذرة الموهبة” الفطرية و”الاكتساب” عبر الخبرة والممارسة.
في ختام حديثها، تصنّف عزه فنها ضمن المدرسة التجريدية، معتبرةً أن العمل الفني كائن حي يتطور؛ فقد يبدأ بفكرة وينتهي بشكل مغاير تماماً، وقد يستغرق إنجازه ساعةً واحدة أو يمتد لشهور، طالما أن الحالة الشعورية تفرض زخمها على المادة المشكَّلة.



