أخبارسورياسياسةعربي و دولي

ملف عودة السوريين من ألمانيا.. حسابات السياسة وحدود الواقع المعقد

العودة إلى سوريا.. لماذا يراها الخبراء "خطاباً سياسياً" يفتقر للواقعية التنفيذية؟

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
كتبت: بارعة جمعة

بعد أكثر من عقدٍ على اندلاع الأزمة السورية، دخل ملف اللّاجئين السوريين في ألمانيا مرحلة جديدة تتّسم بإعادة التقييم السياسي والقانوني، فمع التّحوّلات التي شهدتها سوريا منذ عام 2024، تصاعدت الدعوات داخل برلين لإعادة جزء كبير من اللاجئين، سواء عبر برامج العودة الطّوعية أو من خلال تشديد سياسات اللّجوء.
غير أن هذه التوجّهات، رغم ما تحمله من زخمٍ سياسي ودعم شعبي نسبي، تصطدم بواقع مُعقّد تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع التّحديات الإنسانية، إلى جانب هشاشة الأوضاع داخل سوريا نفسها.

في هذا السّياق، لم يعد النقاش مقتصراً على إمكانية العودة من حيث المبدأ، بل تجاوز ذلك ليطرح أسئلة جوهرية حول قابلية التنفيذ، وحدود القانون، وتأثير هذه السياسات على المجتمعين الألماني والسوري على حد سواء، وبين الطّموح السّياسي والقيود العملية، يتشكّل واحد من أكثر ملفّات الهجرة حساسيّة في أوروبا اليوم.

أهداف سياسيّة طموحة لإعادة اللاجئين السوريين

تسعى الحكومة الألمانية إلى إعادة نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين خلال السنوات الثلاث المُقبلة، مُستندةً بذلك إلى فرضية أن “أسباب اللجوء قد تراجعت” بعد التغيرات السياسية في سوريا، كما تُشير التّصريحات الرسمية إلى هدف إعادة ما يصل إلى 80 بالمئة من السوريين، أي مئات الآلاف من الأشخاص، مع التركيز في المرحلة الأولى على من فقدوا حق الإقامة، خصوصاً المدانين بجرائم.

تعتمد الخطة الألمانية على مسارين رئيسيين الأول: العودة الطّوعية، وتشمل تقديم دعم مالي، تغطية تكاليف السفر، وبرامج لإعادة الاندماج داخل سوريا. أما الثاني: التشديد القانوني، أي زيادة رفض طلبات اللجوء، وبدء إجراءات الترحيل بحق بعض الفئات، حتى من المُندمجين جُزئيّاً في المجتمع. ورغم ذلك، لا تزال آليات التنفيذ التفصيليّة غير واضحة بشكل كامل.

عقبات قانونية مُعقّدة وتحديات الميدان في سوريا

يُواجه تنفيذ أي خطة لإعادة أعداد كبيرة من اللاجئين عقبات قانونية كبيرة، أبرزها: ضرورة دراسة كل حالة بشكل فردي قبل اتخاذ قرار الترحيل، إمكانية الطّعن القضائي في كل قرار، الحاجة إلى موافقة الدولة المستقبِلة، وضغط هائل مُتوقّع على الجهاز القضائي. ويُؤكد خُبراء أن هذه الإجراءات قد تستغرق سنوات طويلة، ما يجعل التنفيذ الجماعي السريع شبه مستحيل.

ورغم التّغير السّياسي، لا تزال الظروف داخل سوريا تُشكل تحدّياً كبيراً أمام العودة مثل: الدمار الواسع في البُنية التّحتية، النّقص الحاد في المساكن والمدارس، وجود ملايين النازحين داخلياً، وهشاشة أمنيّة في بعض المناطق. هذه العوامل مُجتمعة تجعل العودة، خاصّة للعائلات، قراراً بالغ الصعوبة.

انقسام سياسي ومُجتمعي حول ملف العودة

داخل ألمانيا، ينقسم المشهد حول هذه القضية إلى تيّارين: تيّار مُؤيّد، يرى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم وضع اللاجئين، وتيّار مُعارض، يعتبر العودة غير آمنة وغير واقعيّة حالياً.

في المُقابل، تُشير استطلاعات الرأي إلى دعم شعبي ملحوظ لفكرة إعادة اللاجئين، ما يعكس حساسيّة الملف في الداخل الألماني.

تأثيرات رحيل الكفاءات على الاقتصاد وسوق العمل

تلعب العمالة السّورية دوراً مهماً في الاقتصاد الألماني، خاصّة في قطاعات تُعاني من نقصٍ مثل: القطاع الصّحي، وتكنولوجيا المعلومات، النقل والخدمات، كما يرى خُبراء أن فقدان هذه الكفاءات قد يخلق فجوة كبيرة، ويُؤثر سلباً على سوق العمل.

بمُوازاة ذلك، يبدو غالبية السوريين في ألمانيا غير مُستعدين للعودة في الوقت الحالي، لعدّة أسباب وهي: الاستقرار النّسبي الذي حققوه بعد سنوات من اللجوء، صُعوبة إعادة بناء الحياة في سوريا، الخوف من فقدان حقّ العودة إلى ألمانيا، وارتباط الأطفال بالنظام التعليمي والمجتمع الألماني. كما أن كثيرين حصلوا على الجنسيّة أو إقامة دائمة، ما يُخرجهم من أي خطط للترحيل.

بين الواقعيّة السياسيّة والطّرح الشعبوي في ألمانيا

يرى عدد من الخُبراء أن الحديث عن إعادة مئات الآلاف خلال فترة قصيرة يفتقر إلى الواقعية، ويقع ضمن إطار الخطاب السياسي الموجه للاستهلاك الداخلي، كما تُشير بعض التقديرات إلى أن تنفيذ هذه الخطط بالوتيرة الحالية قد يستغرق عقوداً طويلة، ما يعكس فجوة كبيرة بين التصريحات والإمكانيات الفعلية.

ويبقى ملف عودة السوريين من ألمانيا قضيّةً مُعقّدة تتقاطع فيها السياسة بالقانون والإنسانية بالاقتصاد، وبينما تسعى الحكومة لتحقيق توازن بين الضغوط الداخلية والتزاماتها الدولية، يبدو أن أي حل واقعي سيتطلّب نهجاً تدريجيّاً، يراعي الفُروق الفردية، ويحترم الظروف على الأرض، بعيداً عن التعميم والشعارات.
وحتى ذلك الحين، سيظلّ مستقبل مئات آلاف السوريين مُعلّقاً بين خيار العودة غير المضمون، والبقاء المشروط في بلد اللجوء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews