تقارير و تحقيقات

الأمن الفكري يبدأ من مقاعد الدراسة ،، مدرسة قرآنية جزائرية تحولت إلى نموذج في بناء الإنسان؟

مدرسة تبني الإنسان قبل الحافظ

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

تقرير: سعد الله مولود

قبل دقائق من بداية إحدى حلقات الحفظ كان الأطفال يتوافدون تباعا إلى المدرسة القرآنية “خالد بن الوليد” بمدينة حمام الضلعة ، يحمل بعضهم مصاحفه بينما يراجع آخرون ما حفظوه في الطريق إلى أقسامهم .

داخل المبنى ينتقل الأساتذة بين الحلقات يتابعون التلاوة، ويصححون مخارج الحروف، في صورة تتكرر كل يوم لكنها تختزل سنوات طويلة من العمل التربوي ، بعيدا عن صخب المدن الكبرى تبدو هاته المدرسة اكبر من فضاء للتحفيظ فقط فهنا يحاول القائمون عليها أن يقدموا نموذجا يجمع بين التربية والتعليم وبين حفظ كتاب الله وبناء شخصية متوازنة، هذا الدور الذي تؤديه المدرسة تحيل الى السؤال عن دور أكبر وهو الدور الذي يمكن أن تؤديه المدارس القرآنية في بناء الإنسان وتعزيز الأمن الفكري ،
لأن قضايا التطرف لا تحسم كلها في المحاكم أو المراكز الأمنية، فبعضها يبدأ من مقاعد الدراسة حيث يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى معنى الاعتدال واحترام الآخر والانتماء إلى وطنه ، ومن هنا يبرز سؤال يتكرر اليوم في عدد من الدول العربية : هل ما تزال المدرسة القرآنية قادرة على أداء هذا الدور؟

في حمام الضلعة تجربة مدرسة “خالد بن الوليد” قد تبدو إحدى الإجابات الممكنة ، فبحسب ما صرح به مديرها الشيخ أبو محمد قسمية بوسعيد” لشبكة لمراسلين” ، انطلقت المدرسة سنة 2013 بدعم من عدد من المحسنين وأبناء المنطقة بعدما وضع الحاج عيسى بن قرين، المعروف بـ”بن شاوش” حجر الأساس للمشروع ، وكانت البداية بدورة لحفظ ربع القرآن الكريم شارك فيها نحو 200 طالب وطالبة قبل أن يفرض ضيق المقر الأول البحث عن فضاء جديد يواكب الإقبال المتزايد.

ويسترجع الشيخ تلك البدايات باعتبارها مرحلة تأسيس قبل أن يشكل تدشين المقر الجديد سنة 2018 نقطة تحول في مسار المدرسة لتبدأ مرحلة جديدة من التوسع والتنظيم، انعكست على عدد الطلبة والأساتذة، وعلى حجم النشاط التربوي الذي تقدمه المؤسسة.

ومنذ ذلك الوقت تغيرت أرقام كثيرة فمن ستة أساتذة فقط عند الانطلاق، أصبحت المدرسة تضم اليوم أكثر من 60 أستاذا وأستاذة ، ويقصدها نحو 1730 طالبا وطالبة، فيما خرجت أكثر من 90 حافظا وحافظة لكتاب الله، إلى جانب عدد من المقرئين والأئمة، لتصبح المدرسة القرآنية الأولى و الوحيدة في المدينة و المنطقة ووجهة لمئات العائلات.

القصة لا تتوقف عند هذه الأرقام فالقائمون على المدرسة يرون أن الحفظ ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء شخصية متوازنة قادرة على الجمع بين العلم والأخلاق والانضباط والوسطية ، لذلك لا تقتصر الدروس على التلاوة وأحكام التجويد، بل تمتد إلى غرس قيم الصدق واحترام الوالدين وحب الوطن والعمل والمسؤولية.

ويرى الشيخ أبو محمد قسمية بوسعيد أن هذا الفهم الوسطي للدين هو أحد أهم أدوار المدرسة اليوم، في ظل تنامي التحديات الفكرية التي تواجه الشباب ،مؤكدا أن الوقاية تبدأ بالتربية الصحيحة، قبل أن تتحول الأفكار المنحرفة إلى واقع يصعب التعامل معه .

و أكثر المشاهد دلالة على مكانة هاته المدرسة في محيطها كان ما حدث مؤخرًا: بعد إعلان الشيخ رغبته في مغادرة المؤسسة ، حيث نظم عدد من الأساتذة وأولياء التلاميذ وقفة تضامنية عبروا خلالها عن تمسكهم باستمرار المشروع، في صورة تعكس حجم الارتباط الذي نشأ بين المدرسة والمجتمع المحلي ، ورغم هذا النجاح لا تخفي إدارة المدرسة حجم التحديات التي تواجهها وفي مقدمتها استدامة التمويل، وتوفير الإمكانات اللازمة لتطوير العملية التعليمية وصيانة المرافق واستيعاب الأعداد المتزايدة من الراغبين في الالتحاق بها.

قصة مدرسة “خالد بن الوليد” تطرح سؤال اكبر من حدود منطقتها سؤال يهم العالم العربي كله وهو كيف يمكن لمؤسسات التربية أن تكون شريكا في بناء الإنسان وتعزيز الاعتدال وصناعة وعي يحمي المجتمعات قبل أن تواجه نتائج غياب هذا الوعي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews